بنت جبيل تبحث عن إداراتها وشوارعها

عليك أن تقرأها من جديد وتُوقعها خارطة جديدة من عينيك ومن قلبك

د منذر جـابر

(السفير ، الجمعة 30 حزيران 2000 ) 


  

أذكر أننا تعلمنا في بعض الكتب، أن بنت جبيل تقع على تلة تشرف على سهل "الحولة". لم أعرف من أين أتوا بهذا الموقع. الأغلب أن مؤلف الكتاب المدرسي لم يكن ليعرفها. وقد يكون أخطأ ما بين موقع بنت جبيل وموقع الخيام. فدون سهل الحولة وبنت جبيل تلال وتلال. 

إسمها "مليء" يبعث في التأويل والتفسير، ولا يقف عند احتمال واحد، شأن بعض نديداتها من مدن الجنوب، "النبطية" أو "صور" أو "مرجعيون" أو "الخيام". يضرب الإسم في تفسيرات عديدة: إن شئته عربياً، فالبنت في سيرتها وسلوكها تدفع في رواياتٍ عديدة. وإن شئته آرامياً فالتفسير حاضر وموجود. وإن تركته لاجتهاد الخيال، ومقتضى الحال، فذنبك على جنبك، فالإحتمالات ممتدة الخيال وتبدّل الأحوال. 

 لا تطل بنت جبيل في موقعها على غيرها من بلدات وقرى المحيط، ولا تنفرد بعقدة طرقٍ تربطها مع غيرها (ما عدا الطريق إلى "يارون"). فهي تقع على الطريق الحدودي على امتداد الحدود مع فلسطين، الممتد من "الناقورة" حتى أطراف "العرقوب"، شأن غيرها من عشرات البلدات والقرى على هذه الطريق. 

تسكن بنت جبيل، كما ظلت حتى حدود السبعينات، التلة المعلوّة بزنارٍ دائري من تلال عديدة، تدور متصلة حول البلدة من جهاتها الأصلية والفرعية. تنقطع فقط في الجهة الغربية، بانحرافٍ قليل نحو الجنوب، حيث ينفتح وادٍ طويل يصل بـ"رمَيش" فإلى البحر. وهو وادٍ (أو كما يرد في لسان بعضهم بوغاز الوادي)، يجر إلى البلدة، "برودة" أو "غطيطة" رطبة، تمتد أوقات طويلة من صباحاتٍ غير قليلة من أيام الصيف، وهي نعمة تقف عند حدود بنت جبيل ولا تتعداها شرقاً أو شمالا، مع نهضة هذا الوادي وتوازنه مع تلة ترتفع في الشرق من البلدة. 

لا تمتد التلة الأم في بنت جبيل ولا تنبسط في الأفق. تقوم فوق التلة بنت جبيل القديمة، مع امتدادها حتى منطقة "السوق" حالياً. في وسط البلدة "حاكورة نص الضيعة"، وهي ساحة تبدو اليوم صغيرة، تليق فعلاً بنصف ضيعة. ولكن أبناء بنت جبيل وأبناء جوارها لا يعرفون بلدتهم ضيعةً أبداً. تبدو بنت جبيل وكأنها نشأت من نقطة وجودها الحالي، في ذاكرة أهلها بلدة-مدينة، مقابل "صفد" و"الناصرة" في الجليل، والخيام ومرجعيون في الطرف الشرقي الجنوبي من لبنان، والنبطية في الداخل العاملي وصور في ساحله. وسوقها سوقٌ يسبق ذاكرة الأهالي، ومأثوراتهم عن أسلافهم من الجدود الأبعدين. وسط هذه الدائرة تقع بنت جبيل، بلدة في "نص" البلدات ما بين لبنان وفلسطين. 

عليك أن تقرأ بنت جبيل من جديد، وتوقعها خارطةً جديدة من عينيك وقلبك. ولكن عليك قبل كل شيء أن تقبل أن سكان حارةٍ بأكملها لم يعودوا من جيرانك، فقد انتقلوا في إقامتهم من طرفٍ في البلدة إلى طرفٍ في المقابل البعيد، أو انتقلوا بالهجرة إلى طرفٍ بعيد من الأرض. وعليك أن تصدّق أن بيت جيرانك الأقربين، والذي كنت تراه متحفاً لسلاسل الأعمار الممتدة من صغران الأولاد والأحفاد إلى عجائز الجدود، وقاموساً للمهن والحرف، عليك أن تصدّق أن هذا البيت في عهدة عجوز تستسلم يوماً بيوم، لضعف جسدها وتشتت ذاكرتها وبرودة انفعالاتها. 

 ظلت الهضاب المحيطة ببنت جبيل حتى أواخر الستينات وطناً لبيوتٍ قليلة معدودة. ولكنها راحت من بعد، تكتنز بيوتاً، وراحت البلدة تقوم اليوم على تآلف أحياءٍ تناثرت على مجموعة من تلالٍ عالية: "عقبة مارون" و"عقبة صلحة" من جهة الجنوب، وعقبة "عين إبل" و"القلاع" من جهة الغرب، إلى مرتفع "الميادين" من جهة الشرق. وعلى هذه المرتفعات تقوم بيوت، جديدة على البلدة في أحجامها الكبيرة وفي طرازاتها، وفي ألوانها التي لا تتحرّج أن تغطي بزرقتها أو بحمرتها واجهة بكاملها. 

 لم تعرّف هذه البيوت الجديدة عن نفسها إلى الآن بكلمة "فيللا"، الكناية الشائعة في غير بلدة أو منطقة، مع جدارتها بحمل هذه الصفة. فقط يعرفونها في بنت جبيل "بالعَمرة". عمرة فلان وعمرة فلان. يُسقطون الألف تخفيفاً. ومع ما تشي به هذه التسمية من كبر البناء وجدّته وفخامته أحياناً، إلا أنها لم ترتق بعد إلى مصاف كلمة "بيت" ورهبتها، لما تحمله هذه الكلمة من حنينٍ واجتماع وإلفة وعلاقات ممتدة على غير عائلة أو بلدة. لم تصبح "العمرة" "بيتاً"، مع صغر البيت وتواضعه غالياً. فما زالت "إبن بيت" في محلتها وفي منزلتها من عظيم الإطراء والمديح. 

 تبدو البلدة القديمة وسط هذا الإمتداد الجديد وكأنها مرميّة على ظهرها بالضربة القاضية أمام هذا العمران الواسع. وهو عمرانٌ يبقى متوارياً لو جئته من عين الشمال، لن تطل إلا على بيوتٍ قليلة على جنبات وادٍ وسفحي أكمتيه المتقابلتين. ولكن ما وراء الأكمة من بيوتٍ واتساع يبقى مختفياً ما وراءها. وكذلك عين الغرب وعين الشرق. فالشرق من البلدة والغربي منها لا يلتقيان في منظرٍ واحد، إذ لا تتّسع العين أو بالأصح لا ترتفع لتحوط ما اختفى من حاراتٍ وأحياء في الجهة المقابلة. وحدها عين الجنوب، من صوب "مارون الراس" تزفّ إلى الرائي اتساع البلدة وتهاديها على أمواج الطبيعة من تلالٍ ووديان، في أوسع مدى: ساحات البلدة بأحجامها الحقيقية، ومؤسساتها من سرايا ومدارس وشوارع مداخل البلدة وحتى من زواريب في حاراتها القديمة. 

 ترتفع البيوت والأحياء الجديدة صوب الأعالي المحيطة وكأن أصحابها يتبارون في ضم البلدة في أوسع مشهد. وسكان هذه الأحياء في إشرافهم الجديد يتابعون من على شرفاتهم عروض بنت جبيل اليومية. يتسمّرون، وقد باتوا يجيدون الجلوس لساعاتٍ، في صمتٍ وجمود، ينقطع مع رصد أية حركة أو تبديل ولو بطيء في هيئة البلدة القديمة، أو في الأحياء التي لم تعثر لها بعد، على اسمٍ واحد. 

 عليك في بنت جبيل، ومع زيارتك الأولى أن تقتنع بأنه عليك أن تتدرّب مجدداً على السير في شوارع أحيائها وفي أزقتها، سيما وأن الهندسة في الأحياء الجديدة تدور على سجيّتها البلدية، فالطريق الضيّق يتآخى مع الدرج ومع طريقٍ "قادومية" في ملك خاص ... 

 

    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Op-Ed Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic