بنت جبيل تبحث عن إداراتها وشوارعها
(2)

د منذر جـابر


  

       أي الأسواق هي! 

 طوال البعد عن بنت جبيل، كانت بيوتها وطرقاتها وأشياؤها، قلب الذاكرة ولبّها، وقلب توتراتها وقلقها. كانت بنت جبيل دوماً، تنتصب في مهمتها الأبدية، أبد حيواتنا بالطبع، آصرة انتماءٍ وانتساب. كانت حسّ الأرض ولحظة جمالها المؤبدة الموعودة. 

ومع عودة بنت جبيل حرّة وعودتنا إليها، وانفجار الفرح غزيراً، كانت العودة إلى الذاكرة، حتى تعود بنت جبيل إلى مكانها منا. أي البلدات هي! 

كانت سوق بنت جبيل نهار الخميس، "نص" الدنيا. و"النص" الآخر هو الأيام التي تفصل بين سوقٍ وسوق. تتابع الدنيا أنصافاً والأعمار أنصافاً والإجتماع والسياسة والإقتصاد أنصافاً بأنصاف. 

من سوقٍ إلى سوق يخلق الله ما لا تعلمون. ومن سوقٍ إلى سوق فرج. ومن سوقٍ إلى سوق تتلى الموعظة الحسنة والحِكم والعِبر، إنا لله وإنا إليه راجعون. يدري مين يعيش، إذا ألله أعطانا عمر، إللي بيظل طيّب. 

 كان السوق ينقسم وجوهاً وقامات، تلتقي الوجوه رجالات المنطقة مصابحة بكل إلفتها وغرضيتها، عقيل مهنـّا وحسين خميس ومحمد علي طعـّان وعلي حسن مراد ويوسف ابراهيم ومحمد عبد الرسول وفؤاد الخوري وسلمان توبه والحاج خليل صَولي وأبو فؤاد شحادة ... وغيرهم كثيرون من مفاتيح السياسة ومن رجالات بلدة بنت جبيل أو بالأحرى من أقفالها ومغاليقها. تعرفهم حجارة السوق واحداً واحداً أسعديي الولاء أو خليلييه أو عسيرانييه أو بيضونييه أو بزّييه. جميعهم على مواقفهم لانقطاع النفَس، مقيمون عليها ما أقامت شواربهم ولحاهم في وجوههم. وإذا ما عزّ وجود هذين المعلَمَين، ما أقامت عيونهم في محاجرهم. فقد أعطوا مواقف لكلامهم أو بالأصح كلاماً لمواقفهم. كانوا يغضبون، فيبدلون أمام الزعيم من وجودهم، دون أن يبدّلوا منه في مواقفهم، يعتزلون ديوانه أو مضافته، ولا يعتزلون الولاء إليه. 

يبدأ السوق من توقيت دقيق لا يتغيّر أو يزول. يبدأ من "معارفة" الوجوه. تنفلش فيه كل أنواع البضائع المنقولة أو "غير المنقولة"، وتدور فيه كل الأحكام والقوانين الوضعية أو المعرفية. القبضايات يرتسمون في السوق أولاً وأخيراً. في سوق الخميس تم تتويج "حتيت" من تبنين في الثلاثينات عميداً لقبضايات المنطقة. وفي السوق عينه كانت نهايته يوم "بطحه" أحمد فرحات (أبو علي كربه) من عيترون. 

 إعتزل بعدها حتيت طويلاً زيارة السوق بعد كسر شوكته. فللقبضنة كراماتها وأعرافها وطقوسها. وهو ما لم تعرفه مثلاً سارقة جريئة، قر الرأي، لكثرة ما اقترفت من سرقات، أن يجري تطويفها على حمارة تجلس عليها بالمقلوب، أي تجلس عليها ورأسها باتجاه الذنب. يومها طلبت هذه المرأة من حاكميها ألا يتأخروا في تنفيذ حكمهم، وليجري تطويفها بسرعة لأن "عندها في البيت ولاد زغار". حصل هذا في السوق فذهبت الحادثة مثلاً في ديار عاملة. 

  

       حسب السوق بنسوق 

يفتقد السوق في وضعه الحالي سراي البلدة، التي دمِّرت بالكامل في اجتياح 1978. وهذا يعني أنه يفتقد اليوم الإدارة وهيبة السلطة، التي تأتي في الغالب مجاناً. إذ يكفي أن يكون المخفر قريباً من اجتماع البشر حتى تتحصّل رهبة واستقامة. 

ولكن مفقودات السوق الأساسية كان قبل ذلك بكثير. كانت مع الإنقطاع مع فلسطين، حيث اختفت من السوق، ومن جهته الغربية تحديداً كراجات عكا وحيفا ويافا، كما كانت تعلن الآرمات المخطوطة "بويا" فوق حجارتها التي ظلت حتى أواخر الخمسينات. ومع سقوط فلسطين، كان الإنقلاب العميق في أسباب الحياة من كهرباء ومواصلات ومصارف واندماج في الحياة السياسية اللبنانية، مدخلاً لتغيراتٍ عميقة في بعض "مرافق" في السوق، ظلت تشكل لسنواتٍ طويلة ذاكرة البلدة في استقرارها أو في تحولها من حالٍ إلى حال، أو بتعبير أدق، من سوقٍ إلى سوق. 

  

"سوق الخميس" ، صوَر وبَشَر 

       أعمى يقود بصيراً ! 

 علي الفلسطيني وخليل الطيري (من بلدة الطيري) والشيخ علي، عميان ثلاثة يتعاطون سوق بنت جبيل، ولكل منهم في بصيرته مدى وزاوية نظر. 

فالأول من بينهم، فلسطيني من الجليل، يقطع، منتعلاً جلد قدميه، وقد تكنّز وتصلّب، طرقات القرى المحيطة ببنت جبيل، تحت فيء شعره الأشيب الأغبر الكثيف. يلمّ بضاعته متاجراً، ليعود ويصرّفها على الواقف يوم السوق، بلا أدنى خطأ في الحساب أو تقدير في الزبائن. 

والثاني من بينهم، خليل (الطيري)، يصل ساحة السوق باكراً، ببسمته الثابتة على صفحة وجهه. بسمة عفوية يبادر بها نفسه منفرداً مع ذاكرته العميقة، كما يبادر بها الآخرين من عابري الطريق، يعرفهم جميعاً من وقع خطاهم، فيبادرهم بالسلام بيديه المعقودتين معاً على سبحةٍ لا تفارقهما. 

شغلة خليل، أو شغله الشاغل، تعقّب معاملات لأبناء بلدته في دوائر القضاء الرسمية في بنت جبيل. ثم يعود مع انتهاء الدوام الرسمي ماشياً إلى بلدته كما جاءها جيئة وتكون الأمانات في أعباب أصحابها بلا حرفٍ زائد أو حرف ناقص. 

أما الشيخ علي فله من السوق مكان وقرار، على الأغلب في طرف السوق الشرقي، مستنداً إلى حائط يتحكم بالنقطة الأضيق من الطريق. يحلّ الشيخ في مكانه هذا كل خميس، جالساً متربعاً في زاويته تلك، مزموماً داخل ثيابه، التي تبقى كصفحة وجهه صيفاً شتاءا، على لون وسماكة ثابتين. 

 لا نذكر أنه كان للشيخ علي يدان أو رجلان. نعرف فقط أنه كان يملك فماً فارغاً من "أثاثه"، شأن محاجره الفارغة من أثاث العينين. كنا نرى دواخل الفم والعينين. فالشيخ الجالس بجسده الطفولي كان يظل مولياً وجهه نحو السماء. وهذا ما تستدعيه مهمة الشيخ الدائمة كل خميس: كان الشيخ علي يبيع "قوة" صوته على المارة، وكانت بضاعته قصيدة "ابن أبي الحديد" في مدح الإمام علي، مقابل ما تسمح به نفوس المارة وتجود. وكنا نحن الرابحين، سواء جبر الله الشيخ في بضاعته وصوته أم لا، فليس منّا من أبناء "السوق" من لم يأخذ من الشيخ علي أبيتاً غنمها من تكرار سماعها على لسان الشيخ وبصوته الطاغي حتى مع عجيج الباعة وضجيج السوق: 

  

يا رافع الباب الذي عن هزّه    عجزت أكفٌ أربعون وأربع 

أأقول فيك سمَيدع كلا ولا     حاشى لمثلك أن يقال سميدع 

واريت دين الإعتزال وإنني   أهوى لأجلك كل من يتشيّع 

سر الشيخ علي، وسر خليل (الطيري)، وسر علي الفلسطيني لمن عرفهم وحسب. 

  

       البنك اليدوي 

عباس البعلبكي، صَيرف البلدة الآدمي. هادئ الوجه والبنية والحركات، هدوء كوفيَّته البيضاء التي تخيّم فوق رأسه وكتفيه. رقيق الجسم والحواشي على غير الهيئة التي تفترضها مهنته. قليلاً ما كان يُرى خارج مهنته أو خارج "سوق الخميس" ميدان حركته، يذرعه مرات ومرات على وقع مناداته: "اللي معو سوري، اللي معو فلسطيني". 

لم نخطئ، صغاراً، تقديرنا لمهنته: بيّاع أموال. نعم، كان يبيع نقداً بنقد غيره. والسعر ثابت فالكلمة موقف. 

كان إسمه على لسان الكبار من أهالي البلدة عباس المعلبكي. يعيدون نسبه الجغرافي إلى "معلبك". وهو نسب لا تدع صراحته لبساً أو تأويلاً. لقد ظلّ اسم المدينة بحروفه ولفظه الصحيحين، لوقت، هجيناً على لسان أهل جنوبي الجنوب. مع أنهم على دراية ومعرفة بكل أمور ابن بعلبك ملحم قاسم (أبو علي). ولكن مع رجالاتٍ كملحم قاسم لا ضرورة لبلدة المنشأ. فقد كثّر أبو علي وتكثّر من سيرته وأعمال قبضنته، فتكاثر اسمه، بذلك، على اسم المنطقة. وكذلك كانت حال الجنوبيين مع اسم "الأرمن" في لبنان، فقد لبثت "الأرمل" طويلاً في لسان الجنوب البعيد، ولم يستو الإسم لفظاً صحيحاً إلا مطلع الستينيات مع تداخل عشرة النزوح والعمل مع الأرمن في مشاغلهم ومحترفاتهم. 

لم يكن "هوى" بنت جبيل شمالياً بعد، لذلك ظل لسان أهاليها يعافس أسماء أمكنة و"شعوب" الشمال. كان هوى بنت جبيل إذن جنوبياً، وكان شرقياً. فإذا هبت ريح الجنوب جاءت بِغلاّت الليرة الفلسطينية، أقوى العملات آنذاك. وإذا هبّت ريح الشرق جاءت "بمال الشام". وفي الحالين كان عباس البعلبكي واحداً من "تراجمة" النقود والعملة في سوق بنت جبيل. وقد ظل وفياً لمهنته حتى مطلع الستينيات، بلا مطمع أو مردود مادي، فقط وفاءاً للمهنة وامتثالاً لها. كان يرفض أن يصدق أن الزمن الأول تحوّل، وأن حرب 1948 التي أطاحت بفلسطين، أخذت معها بنت جبيل الفلسطينية. 

ظل عباس البعلبكب الشاهد الأخير على تقلّب بنت جبيل في سوقها واقتصادها واجتماعها ما بين السوري والفلسطيني و ... اللبناني. 

  

       صوَر تحت الشمس 

إسمه لا يقبل أبو فلان: أبو مهدي. فقط علي مهدي من طفولته، وفي شبابه وكهولته. وافته صفة "الحاج" مع شيخوخته المتأخرة. ولكنه كان أول المنقلبين على صفته الجديدة: مع ترديده مباهياً بقوته: "إسأل عن علي مهدي، علي مهدي وبس". 

أنزع، حليق ما تبقى من شعر رأسه على صفحة رقبته الثخينة على مقياس رأسه في الإستدارة. بدين، بطين، عضل، يبدو جسده مصبوباً، حساباً لمهمة حمل رأسه الكبير. وكان غلى ذلك حبّاباً ضحّاكاً، وكأنه يسلّف الآخرين اعتذاراً عن زأرةٍ دائمة تتردد في عينيه، وعن صيت في القبضنة تالدٌ وطارف. 

دخل علي مهدي تواريخ الأهالي جميعاً، عبر صورتهم الأولى، فهو "المصوِّر" "الشمسي" الوحيد في بنت جبيل ومنطقتها، ظلت ماكنته معلَماً في سوق بنت جبيل، وواحدة من مرافقه، تستجلب زبائن من أصقاع القضاء في أوقات الشهادات الرسمية، الأولى منها تحديداً، أو في مناسبات الأفراح أو التوظيف، أو في الإستجابات لنداءات صدور الفتوة في ميعة الصبا، حيث تكون الصورة غرضاً أو هدية، تكريساً لتلهف القلب، ونسجاً على منوال صباح "تصوّر وابعث لي صورة" وخطتها في ترسيمها ما بين التعليق في الدار وعلقة القلب. 

أما الأرشيف الأكمل من تراث علي مهدي، فقد ظل معروضا لسنوات طويلة، صوراً صغيرة تغطي مرايا الحلاقين وزجاج خزائنهم، كانت تعطى وديعة تذكار من شباب البلدة قبل نزوحهم إلى بيروت أو اغترابهم فيما وراء البحار. 

  

       أم نـمر (يا نـاري) 

قليلة الجسم والرأس والعينين. في فمها سنّان اثنان لا يلتقيان. واحدٌ في الفك الأسفل وواحدٌ في الأعلى، عندما يطبقان فكأنهما يضبّان من خارج، الشفتين العليا والسفلى. يدها تبقى موضوعة دائماً على وجهها. خصلة من شعرها تنسلّ دائماً من تحت تخفيفتها (منديلها)، فتزيد في حسرة وجهها وأساه حسرةً وأسى. 

إذا استسميتها تقول: أم نمر (يا ناري). تبكي على حالها وتتصبّر (يا نارها). أم نمر وليس النمر، مع أن نمراً شهيد، أضحى مجندلاً في معركة المالكية 1948. يوم جاءها خبره، لم تقل أنها مع القضية. لم يكن يومها مجالس تبريك. قبر ابنها بمكان قفر، على الطريق ما بين عيترون اللبنانية والمالكية في فلسطين. يسمّى "قبر القتيل"، مع أن نمراً قتيل قضية وليس قتيل هوى. يستكثرون عليه لقباً آخر. قلّة يعرفون من هو هذا النمر. يعرفون اسمه فقط من كلماتٍ مكتوبة على شاهد قبره يختلط فيها الزجل بالشعر الفصيح: 

يا نمر إنت نمر رابي بوسط غابي 

حامي عرينك من أسود ومن ذئاب 

يوم الكريهة خضتها ونلت الثواب 

ورمسك بوسط المعركة أكبر دليل 

لم تعط البلدة و"الأحزاب كلها" "نمراً" حقه في احترام أمه من بعده. فلبثت أم نمر دوّارة في سوق البلدة، وبيتها في الطرف الشرقي منه، دعّاءة على من تحمّله الرواية سلب خاتم النمر وساعته من إصبعه ومعصمه. كان دعاء أم نمر (يا ناري) لهوُ طيش ونزق بعض طفولتنا. لم تأتها شهادة ابنها بما يخفف عنها هلوسة الشيخوخة وبردها. 

عزاء أم النمر في أن الآخرة ليست كما "الدنيا حظوظ". 

  

  

 

    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Op-Ed Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic