بنت جبيل تبحث عن إداراتها وشوارعها
(3)

د منذر جـابر


العشي واللسان المسنون

يحمل مجلخه (آلة لسن السكاكين) على ظهره. أبو عبد اللطيف (العشي) أقصر من آلته، ينحني قليلاً إلى الأمام، ليتفادى مساساً لسيبة آلته بالأرض. يبقى وجهه والحال هذه، إلى الأرض دائما. ومع تهدل الكوفية على كتفيه ووجنتيه، يبدو العشي وكأنه يختبئ وراء مجلخه.

من يعرف العشي ير في هيئته تلك تدبيراً محكماً وعزلته في سيره تحاكي عزلته في مسكنه، فهو من ندرة من البلدة ممن اعتزلوا سكنى الحارات. أنشأ أبو العبد حارته الخاصة التي ظلت تتألف لزمن طويل من بيته ليس غير.

بين مهنة العشي ولسانه سبب عريض، تسنن اللسان وسلاطته، كان من أصحاب الجملة الواحدة والتعليق الواحد. باقي الكلام يأتي من عينيه أو من يديه أو من دورة ظهره. يقول كلمته ويمشي، وتمشي معه الكلمة سيارة من فم لفم: "الله إذا أعطى أدهش وإذا أخذ فتّش" واحدة من كلماته. "ضُب مصرياتك، صارت مدينة" وأومأ إلى جبانة البلدة، كلمة قالها لواحدٍ من ظرفاء البلدة راح أمام العشي يتجعّس برزمة أموالٍ في جيبه.

كانت "مؤسسة" العشي في الهواء الطلق. مقابل سوق اللحامين، مساحتها ما يكفيه واقفاً أمام آلته. كانت الزبائن تأتيه من المنطقة كافة بأسلحتها المطبخية، يعيدها للحظات جاهزة للقطع، بعد أن يتفحصها بتمريرة على صفحة ظفر باهم يده اليسرى.

كان العشي يعيش صمته الكامل أثناء العمل، فلحد السكين حدود في العمل وحدود في الإنتباه خوف "غلطة المعلم" وحرمة واعتبار.

 

مجتمع السوق

كان سوق الخميس مع هؤلاء جميعاً (عفواً نسينا فهمي) وغيرهم وغيرهم، سوق اجتماع، أخذ وعطاء وراء كل بضاعة حكاية. فالصيرفة تبدو على قياس عباس البعلبكي بهدوئه وخطواته الهندسية وكوفيته المنشّاة، والربح الحلال. هناك دائماً "فيه مرحبا"، "صلينا عالنبي". ومع الحاج علي مهدي، وراء كل بضاعة-صورة حكاية سيارة تغطي ذاكرة صاحبها فرداً أو عائلة. وبالوقوف أمام العشي وآلته يكرّ في رأسك شريط مسنون وشائك من عشرات الطرائف والحوادث، وفي كل منها غلّة فلسفية في شؤون "الدهر والزهر وبيت أبو ظهر"، وهي ثلاثة أقانيم في عرف العشي ليس لها أمانة أو ليس عليها "رباط". قال ذلك بعد عملية جراحية مؤلمة أجراها في الخمسينات في مستشفى الدكتور لبيب أبو ظهر.

وعميان السوق أو بتعبير أصدق أصحاب البصيرة فيه، كانوا دهشة الأطفال المجانية، وكانوا نقطة إعجابهم ومدار أسئلة وتساؤلات لا تنتهي مع أهلهم وأنفسهم. وكانوا كذلك مصدر طاقة جبارة تنبعث في وجدان الأطفال، ومن حيث لا يدرون، وتبعث فيهم إعزاز وقدر هذا "الجرم الصغير" في مواجهة العالم الأكبر.

كذلك كان سوق بنت جبيل عشية السبعينيات. لكن سوق السبعينيات وما بعدها راح يدخل في اتجاه واحد. اتجاه "السوق" والتبادل الإقتصادي القح. سوق الأسعار الثابتة والمكتوبة على غلاف البضاعة، سوق الشيكات "المتورخة" والدَين الممنوع والعتب المرفوع، سوق المشوار الصغير والمشوار المستعجل، والسوق الذي تتعدى فيه أعداد السيارات أعداد الزبائن المشاة.

 

السوق "الحرة"

تراجع سوق بنت جبيل مع الإحتلال، مع تقطع أوصال القرى وتواصلها، ويعود اليوم طامحاً لاستعادة ألقه السابق، مع امتداد البسطات على أنواعها، وإقفالها مساحات السوق كافة، ومع تدفق التجار الجوالين غالباً في أسواق الجنوب: النبطية، تبنين، شحور، الشهابية، ومع استعادة بعض المحلات التي سبق وأقفلت، بعضاً من نشاطها، أو مع تجدد بعض المحلات التي كانت مع وجودها مفتوحة، تسلية أصحابها بدلاً من فراغ البقاء في المنزل.

عادت اللهجات المتعددة والوجوه المتعددة والأزياء المتعددة والأديان المتعددة إلى سوق بنت جبيل. تجار الخضار من حاصبيا ازدادوا عدداً وكذلك تجار العطورات من صور والنبطية وحتى بيروت، جاؤوا بمخازنهم السيارة وافترشوا بسطات في السوق الذي طالما سمعوا عنه وعن مجالات التبادل فيه.

ولكن الأكيد، وبعد شهر من التحرير أن البسطات أكثر من الناس، وهي "شوفة" لم يرها أهل البلدة من زمن. ولكن كثرة العرض لا تؤشر إلى كثرة الطلب. فالتجار من أبناء البلدة والمقيمون في محلاتهم طيلة الإحتلال، يرون قلّة يد الناس مع إقفال أبواب العمل والرواتب من إسرائيل، ويرون أن الأمور تحتاج إلى فترة من التكيّف، وهو جمود يتقبّله أحمد السيد الذي يرى أن "الحرية عز والمصاري مش عز". وابراهيم بزي الذي يرى "أن الحرية أثمن من الرفاهية".

 

الصنعة

والحديث في بنت جبيل يستدعي الحديث عن صناعة الأحذية، حرفة البلدة الأولى. كانت محلات الأحذية تطل مباشرة على مجمل شوارع البلدة الداخلية وزواريبها. وكانت تحية "العوافي" يلقيها العابرون على العاملين في هذه المحلات، تبقى تتردد يمنة ويسرة طيلة الشارع أو الزاروب. وكنا أطفالاً ويافعين، والراديو تسلية الحرفيين في عملهم الصامت، نسمع "دقات قلب" سميرة توفيق دون أن تفتح لنا هذا القلب من مذياعنا الخاص، بل نسمعه من راديوهات المحلات المتصلة. فقلب سميرة توفيق لما "دقة تدق"، تدق في كل المحلات على الجانبين. وكذا كنا نعرف حالها ملومة حسيرة يوم يتركها باتجاه "رام الله"، "اللي ما يخاف من الله".

أما اليوم، فمع فراغ البلدة من شبانها، تبدو هذه الحرفة وكأنها إلى زوال في بنت جبيل، مع تقلص عدد العاملين فيها إلى ما دون المئة شخص، بعد أن كانت هذه الحرفة تحمل إسم "الصنعة" إسماً علماً دون الحاجة إلى تخصيص المصنوع.

 

الإدارات الفارغة

عادت بنت جبيل مع التحرير لتبحث عن إداراتها التي كانت، دون سائر الإدارات في مراكز الأقضية المحتلة، قد ترحّلت عن البلدة واستوطنت تبنين من بلدات التماس السابق. في عودة الإدارات إليها، ترى بنت جبيل ذاتها وتطمئن إلى قرارها ومستقبلها. تخاف بنت جبيل أن تكون كلفة بقائها تحت الإحتلال خلع مكانتها الأولى، طربونة في محيطها وفي القضاء المعروف باسمها.

ولكن بنت جبيل تأخرت في مؤسساتها كثيراً، إذ ليس من بناء يلم الإدارات الرسمية في سراي جامع، فما زالت في كليتها على عهد أوائل السبعينيات: مكاتب النفوس والصحة والزراعة والمالية والمخفر، بعضها ما زال على حال وعهد أوضاعه في الستينيات. وبعضها أقام وتآوى في مراكز "عيرة" لا تأتلف في المهمة والهدف. وبعضها استأجر غرفاً (ما دامت الثلاثة منها جمعا) في بناء جديد. وبعضها الآخر، وقد نسف بنيانه في اجتياح 1978، ما زال ينتظر رفع الأنقاض قبل مباشرة البناء من جديد.

أما المستشفى القائم على "العظم" من سنوات، فإن طبابة الأمور فيه أعيت من يداويها.

 

طرف في أية قضية

كانت بنت جبيل تقف دوماً على نصل الأحداث الرائدة منذ بداية القرن. فما زالت إعدامات الجنود الأتراك لفراريي سفر برلك تعشعش في ذاكرة الأهالي، ولا سيما أن الضابط المسؤول رفض إيقاف الإعدام بعد انقطاع حبل المشنقة بأحدهم (سيد من بلدة عيناتا)، كذلك اختتمت أحداث 1920 بلائحة إعدامات طويلة طاولت العديد من رجالات بنت جبيل وزعاماتها، واختتمت كذلك بتدمير كامل لبيوتها وممتلكاتها مع الحملة الفرنسية بقيادة الكولونيل "نيجر" والتي جاءت على قاعدة القضاء على العصابات العاملة في جبل عامل وولائها الفيصلي. وقد جاء على لسان الشيخ محمد نجيب في وصف الحملة:

  هذي مدينة بنت جبيل

  عنوان بلاد بشارة

  إجاها ينجر بالليل

  وحكّم فيها الطيارة

  أكلتها كم وذيل

  وعلّمها كيف الغارة

  وحكم عليها بالويل

  وشو كان بدها بهالعلقة

وفي أحداث 1936، كانت بنت جبيل في أتون هذه الأحداث ومرجلها في التحركات السياسية والشارعية من مظاهرات وإضرابات واعتصامات، كذلك كانت بنت جبيل مع أحداث 1936 في فلسطين قاعدة للتسليح والتذخير، ما زالت شخوص الحاج أمين الحسيني وفوزي القاوقجي وأكرم زعيتر وأبو ابراهيم الكبير وأبو ابراهيم الصغير، بقاماتهم وتحركاتهم، ترعى ذاكرة الكبار من أبناء البلدة صبيان تلك المرحلة، أي صبيان منتصف الثلاثينيات.

وقد تتابعت سيرة التذخير والتسليح، مع الأعمال العسكرية في الجليل، سنوات النصف الثاني من الأربعينيات، ومع سقوط فلسطين شكلت بنت جبيل بأهاليها "أنصار" المهاجرين الفلسطينيين الخارجين من ديارهم إلى غير أرض ومكان، كما كانت "بنت أم جبيل"، حسب اللهجة الفلسطينية، أرض مؤاساة واستشفاء ميداني أثناء المعارك الدائرة فوق أرض الجليل، وقد ظلت البلدة موطن المئات من عائلات الجليل حتى منع هؤلاء، منتصف الخمسينيات، من الإقامة في مناطق تقارب ما بين الفلسطينيين وحدود فلسطين.

ولكن البلدة عادت واحتبكت مجدداً مع الوجه المسلح للقضية الفلسطينية، مع نفاذ الفدائيين الفلسطينيين إليها في تشرين الأول من سنة 1969، قبل اتفاق القاهرة. وما لبثت بنت جبيل من يومها تعيش مفاعيل شراكة القضية الفلسطينية واستتباعات الموقع والقرب، فقد ظلت تتقلب على نار الإعتداءات الإسرائيلية وكانت جولة القصف الأولى التي أصابت البلدة ليلة 31 / 12 / 1969، وكانت أول الغيث من تردادات طويلة في القتل والتدمير وفي الغيلة والخطف. ويبدو قصف البلدة في 21 / 10 / 1976، "النقطة الصفراء" في شاشة الذاكرة البنت جبيلية. كان النهار نهار خميس، كان السوق على ازدحامه بعد امتلاء القرى الحدودية بالوافدين من أبنائها هرباً من خطوط التماس البيروتية، جاء القصف دون سابق إنذار، ودون مقدمات أو تدرج في إحداثيات القصف ونقاطه، مما يسمح للناس بتجنب الخروج من منازلهم تحسباً، القذيقة الأولى كانت مباشرة في قلب ساحة السوق، كانت الحصيلة 14 قتيلاً و27 جريحا.

ومع تطور الأحداث العسكرية في الجنوب الحدودي، صارت بنت جبيل عقدة الحرب الأولى، وهذا ما لفتت إليه إذاعة إسرائيل في 1 تشرين ثاني 1976 في تأكيدها "أن المعركة على بنت جبيل ستقرر من سيكون المسيطر على جنوب لبنان".

أما خسائر البلدة فيستحيل تقديرها، حتى لو حصرنا الخسائر بوجهها المباشر، أعني القتلى وحسب، قتلى الإعتداءات الإسرائيلية وقتلى الإحتلال، والقتلى المقاومين وشهداء التعذيب في الخيام. فامتداد البلدة على مساحة الأحزاب اللبنانية وامتدادها في الإقامة على مساحة لبنان، يعذّر من هذا العمل. ولكن الأكيد واليقين أن بنت جبيل شربت كأس القضية الفلسطينية وكأس الأزمة اللبنانية حتى جمامها.

 

أهلنا في المقابر: لا تثيروا من مواجدهم

تدخل في مقبرة البلدة، حضرة الميتين وصمت قبورهم، صمت قاهر يطفح به وجهك وجسدك، فهما أضعف من أن يصطخبا مع دبيب ما يصهر دمك ولب عظامك. تدخل مقبرة البلدة وجدانا خالصا وتذكارا خالصا. لا تعرف كيف تدير باقي أعضائك الزائدة: يديك ورجليك وبعض حواسك وأحشائك. كيف تواجه "السابقين" من أهل وأصحاب، مع أنهم ما زالوا يدورون كالنسغ في عروقك.

تأخذ طريقك إلى قبر أبيك. لم تحفظ موقعه عن ظهر قلب بعد. فهذه زيارتك الأولى للبلدة من سنوات دفنه. تتقرى عيناك بلاطات القبور، فتكتشف أن للأموات مسمياتهم الخاصة التي لم تعتد على قراءتها أو سماعها إلى الآن. "فأبو منذر"، الكلمتان اللتان نشأت عليهما إسماً لأبيك، وتكاد لا تعرف غيرها إسما له، تختفي عن شاهد القبر، ليحل محلها: محمود ابراهيم جابر بزي. وأم داوود، جدتك لأبيك، يقدح شاهد قبرها رأسك ليقول لك بأنها الحاجة فاطمة بنت الحاج علي فاعور بزي حرم المرحوم ابراهيم مصطفى جابر بزي.

صارت مقبرة البلدة "مدينة"، حسب توصيف أبو عبد اللطيف العشي، في "دعوته" إلى متاع الدنيا والزهد بالآخرة، والأصح أنها صارت مدينتين، مع امتداد سكنى القبور إلى إقامات جديدة في جوار الجبانة القديمة.

تبدو المقبرة القديمة هادئة كسيرة، فقد ختمت فيها مواسم حزنها من زمن. نزلاؤها من الأبناء المقيمين على حنين الإندفان إلى جانب الأب أوالأم أو الأخ أو الإبن الذي انقصف عمرا من سن باكرة يكون الموت فيها قصفا للأعمار. تطل قبور الجميع على هيئة البلدة القديمة، حدود القبور في الغالب حجارة مرمية تذكر بالقبور الدوارس، أو شواهد من "صبة" باطون إمحت عنها علامات القبر من اسم وتواريخ، أما مسالك ما بين القبور فقد باتت طريقا "قادومية" فوق القبور لا نتخفف الوطء في عبورها، فقد درست الطريق قبورا وباتت حدود طريق ليس غير.

رأيتهم في الجبانة القديمة يوفون نذر الفاتحة عن أرواح موتاهم، كانوا إخوانا وأبناء عمومة فيما بينهم، وكانوا يتكوكبون على ثريا من قبور الأهل، يجلسون القرفصاء وقد شبكتهم ذاكرة واحدة وعصب واحد، يوم كانت العائلة كلها في بيت أو دار أو حوش يلف الجميع أطفالا-أقارب يقرّبون من الأخوة في اشتباكهم وتآلفهم، عادوا في المقبرة إلى أعمارهم تلك، مع تشتتهم في إقامات بعيدة، يختمون على مشاعرهم الجديدة بدموع تعيدهم، ولو للحظات، "وليدات نبي" في حضرة أرواح موتاهم.

أما المقبرة الجديدة فلم تأخذ ترسيمات البلدة في عائلاتها مواضع القبور فيها، على مبدأ مواضع المصلّي داخل المسجد، يكون حيث وحين يصل. في المقبرة الجديدة تختلط العائلات والأعمار وتتقارب القبور في أحجامها وأقفاصها وشواهدها، في هندسة رتيبة تذكر بضواحي المدن الأميركية تطل عليها من علياء طائرة. يشق عليك أن تصل إلى قبرٍ دون أن تبدأ من خط، من صف، تستجوب منه أعداد القبور حتى رقم معين.

تعود من المقبرة إلى أصحابك وبنيك، متطهراً في "بلدية" صافية، لها روح هواء كينايات الجبانة الخفيف وشفافية فيئها، وامتداد جذورها حتى آخر الأرض، أرض بنت جبيل.

   إنتهى                     

 

    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Op-Ed Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic