أول الوعي.. أوائل الحروف

السيد هاني فحص
جريدة السفير (لبنان)
الجمعة، 10 أيلول «سبتمبر» 2004

     مداك الحيوي محدود، أنت وثلة من أترابك اخترتم البراري والفخ واعشاش العصافير مدى وراء شتلة التبغ ومرها، ولكن غيوما وسحبا أخرى طفقت تذرع سماء القرية تغادرها سراعا؟ او تمكث ريثما تجلب سمعك او سؤالك... إذاً فلا بد من بحث عما تتحقق به ذاتك على مقتضى متغيرات جمة، منها انك رأيت المدينة وحدك لا وراء أبيك، ومنها ان الراديو أخذ في الانتشار، ومنها ان ريحان عذارك شرع بالبزوغ مصحوبا بحالات في مخيالك وبدنك أثارت فيك رغبة حامضة وغامضة ومنحتك مفاتيح الكلام وجعلتك عرضة لكلام آخر.. 

إذاً فاقرأ طالما انك مهموم بحالك وأهلك ومتاعبهم التي لا تنتهي ومكاسبهم التي لا تنهض إلا بالأشد ضرورة من شؤون الحياة.. أما المرض فعلاجه ببيع الأرض الموروثة قطعة قطعة.. الى مشاغل أخرى أتتك من العدوان الثلاثي على مصر فعطفتك على ماض قريب (فلسطين).. الى الوحدة والسد العالي وأحداث لبنان والعطلة المدرسية الجبرية.. وثورة العراق والجزائر. وأحيانا تمر كوبا بين السطور، وإذا قرأت استفزك نعيمة وخالد محمد خالد ومارون عبود وجبران وغاندي، أغروك بالمشاركة.. وآنست في داخلي حساسية لغوية أقرب الى الفطرة التي تكتمل بالوعي فتزهر وتثمر، وكأني تعرضت لاحتمالات المرض، فتحرك القلم بين أصابع لا تشكو من بقايا الشوك وحليب التين، وعقل لا يقوى على الارتقاء ببساطات الأهل الى مستوى معرفي مفارق، وقلب أخذ الدم فيه يشرع كرياته للهواء والهوى. ها أنا إذاً على بوابة الحب الذي يولد كما يولد الشعر، او يولد معه الشعر.. او هو الشعر.. فلا بد إذاً من اقتراف يحميك من الجفاف.. 

وكتبت.. كانت المضامين أرقى من اشكال كتاباتي. إذا ما كان المعيار في رقي المضمون إنسانيا، أي كافيا في المعنى، في ما تعنيه ويعنيك، لا في ما يغويك ويغويها ويغويهم، أيا كانوا.. أما إذا ما كانوا أهلك، وكانت بضاعتهم المعرفية المافوق الفطرة والتحصيل الموصول بعادات الأرض وأحوالها، متواضعة وباعدت بينك وبينهم بقول يدهشهم لأن مداركهم لا تطاله، فإنك على حافة الخيانة وقطيعة الرحم.. لطالما غمني اني أكثر معرفة وعلما من رهطي الساهرين على المصطبة. الذين علموني الحب والعشب والحليب والشمس، والتراب والحزن والألفة والسهر الحميم في ليالي الشتاء واصطلاء الدفء من البطانية المشتركة، العتيقة. دفتري الذي سودته في القرية قبل الانتقال الى مدرسة المدينة للدراسة المتوسطة.. كان غلافه أخضر وأوراقه أكثر أناقة من دفاتر المدرسة، وكان سريا.. وعولت على مواضيع ودفاتر الإنشاء لأقول للمعلم والرفقة وبعض المهمومين بالعلم من أهل القرية، بأني أضمر لهم وعدا بعنوان من عناوين قريتهم واجتماعهم.. ولأن يكون واحد او آحاد كتابا او أدباء او علماء او أغنياء في قرية.. فإنها تنسب اليهم كما ينسبون اليها.. وكان الشيخ علي الزين منذ ان سمع من معلمي اني اراهق للكتابة قد أخذ باستدراجي الى حضنه، وعلى هزال بدنه والسل الذي تغلغل فيه عمرا، كان يتعافى بنا ويعافينا فلا نعافه ولا يعافنا... 

قصرت ساقا الشيخ ان تحملاه الى منزلنا الذي يرتفع قليلا فوق الطريق العام، فأشر لي ان "هات دفترك واتبعني" وآوى الى ظل حائطٍ على قارعة الطريق، وقال لي: اقرأ.. شعرت انه يتأله وأنه يرسلني.. فارتعدت وتلعثمت ثم نسيت فقرأت مرة ومرتين.. وعندما تأكدت ان ذهنه رحب وقلبه لا حب وأنه أحب ويحب للآخرين ان يحبوا قرأت له ما أحببت في ما كتبت وما كتبت في ما احببت، فانشرح وقال لي ما كان يعني اني موعود بالكتابة.. ولكن علي ان اضيف الى مكوناتي الذاتية وعيا بالموضوعات. وأهداني كتابا شعريا لشاعر مناضل (أعاصير في السلاسل) لسليمان العيسى.. أراد ان يعديني بعشقه للحرية.. فلم أعتم ان تبعته.. وامتلأ دفتري الأخضر على أبيض بالأزرق والأحمر، كان فيه وجوه وعيون وقدود وجبال وأرز وفلسطين وفقراء وحرية ووحدة وعدالة واحتجاج وشوق واعتراض. وحملت دفتري الى مدرسة المدينة... الى النبطية وهناك تلقاني معلمون وتلاميذ من مناشئ مختلفة... ودار الجدل، وعدت الى دفتري فوجدته بما فيه دون الأسئلة التي داهمتني والمعارف التي حاصرتني. فقررت اني وطالما اني وقعت في داء الكتابة فلا بد ان اعالجه بالكتابة، لأستقر على جدل جميل لا يخلو من وجع لذيذ، تداوي داءك بدوائك، فيزيد الداء اعضالا، فتزيد جرعة الدواء، فيستحكم الداء الخ. 

الى ذلك أعدت ما حل بي لاحقا من مضايقات وضيق.. استولى علي هاجس الابداع، ووجدت اني لو فكرت بالمردود لما كتبت.. يعني اني كوردة أمي، لو كانت تفكر بما يُصنع بعطرها ولونها لما فاحت.. وذهبت في الكتابة والقراءة طولا وعرضا حتى اني تأخرت في مواد الدراسة وكنت في البداية مميزا في كل شيء، واكتفيت بدفتر الإنشاء علامة على ذاتي.. وأغراني معلم الإنشاء الذي كان يقرأ انشائي على الطلاب والمعلمين ويغدق علي العلامات ويزاملني ويستشيرني ويحكي لي ما يقرأ. ويشتد غضبه علي ويقرعني علنا عندما لا اوافيه بما يروق له. 

كتب لي مرة على الدفتر.. خروج فاضح عن الموضوع، ثم شطبها وكتب، فهم رائع للموضوع مع عرضه بإطار فني وجملة تنساب انسياب الماء بين الاعشاب.. وازدهاني المديح حتى العجب والغرور واعتبرت الخروج على الموضوع سر الابداع، وفي المرة التالية خرجت على الموضوع فكتب لي في الدفتر (خدعوها بقولهم حسناء) ولكن المرحوم الاستاذ عبد الحسين حامد، معلمي، لم يعرف ثم عرف اني اكتشفت الطريق الى التعبير من الحرية التي وصفها لي بالخروج عن الموضوع، غير متناس او متجاهل ان الحرية لا تصيب ولكنها تملك بذاتها وشروطها ما يؤهلها لتصويب مساراتها.. هذا المسلك اغراني في المدرسة بتجاوز عمري الجسدي والمدرسي.. فأشعت بين الطلاب جدلا ولغطا حول ما كتبت في أمور ممنوعة.. واستدعاني المدير وقرأ.. وقال: هذا ليس شأنك انه شأن الكبار ولا بد ان تكف.. ووافقت والتزمت وكأني ادركت ان ما قرأته متأخرا في نهج البلاغة "ومجتني الثمرة لغير وقت ايناعها كالزارع في غير أرضه" وأجلت اهتماماتي الى أوان النضج.. وكانت رغبتي في الكتابة تسد عليّ آفاقي.. فاقترحت اصدار مجلة حائط في المدرسة وأخذت الموافقة وقدمت العدد الأول لمعلم الأدب للمراقبة. قرأ وضحك وقال: من عشر موضوعات لك ثمانية والتاسع لتربك من آل فحص.. هذا لا يجوز.. لم أكن أنانيا. كنت اريد ان اكتب الدنيا كلها في يوم واحد وعدد واحد.. وما زلت كذلك.. حتى اني كلما تضايقت من عدوان علي او قمع لي او تجاهل لحقي، أقوم الى قلمي ودفتري وأكتب وأكتب وأشعر اني في مملكتي التي لا ينغص عليّ فيها سلطاتي الشرعية، أحد.. 

وعندما قررنا ان (نمدن) القرية فكريا وأدبيا بأن نتمأسس لبّاني علي، تربي المريض بالحبر مثلي، ولم يكن عدنان وجميل وجودا ومصطفى بعيدين عنا. وأسسنا مكتبتنا العامة في (الخشة) على حاشية ساحة الضيعة.. وخطبنا في عاشوراء، وتقاولنا شعرا شعبيا وتتطاردنا في محفوظاتنا الشعرية. وكتبنا مسرحية ومثلناها على أرض الحسينية قيد الإنشاء ونفحنا أهل الضيعة مكافأة عليها مئة ليرة. 

المفصل الذي كيفني خلال هذا المسار مع الحبر والطرس هو ان حساسيتي اللغوية التي حرصت على الحرص عليها حتى في يومياتي وحديثي العادي، قدمتني لرفاقي التلامذة وكأني من حراس اللغة وأبناء لغتها وجلدتها. فسموني شيخا فأطلقت ما تيسر من لحيتي وذهبت الى مسجدي وحفظت نص عاشوراء وأصبحت عريف احتفالات القرية ثم ذهبت الى النجف حيث قدمت نفسي معنيا مسكونا باللغة، فاحتفوا بي على هذا الأساس.. وعندما كتبت أول مواضيع الإنشاء في المدرسة لم يعطني المعلم الشيخ علامة، اعتبرني خارج سياق التلامذة، وهمس بجبران، والتقطها الزملاء مشايخ المستقبل، وكانوا فتيانا يتقنون الشغب الجميل، فأخذوا ينادونني (جبران) تقديرا وتنكيلا ففرحت وبكيت وكدت ان امتنع عن الكتابة. الى ان تأكدت ان النجف يمكن ان تغفر كثيرا من هفواتك وتتسامح مع تقصيرك إذا ما آنست فيك احتمال ابداع. 

النجف أسيرة الشعر وعلوم اللغة والقرآن والسنة، الحوزة المسورة التي تنفتح فيها كل يوم كوة على الآداب العالمية في الشعر والرواية والمسرح.. أسرتني ونذرتني للكتابة. 

وها أنا الآن لا أكاد أغلق دفترا حتى أفتح آخر وأكتب. وإذا ما أعوزتني الدفاتر كتبت على أكياس الورق.. وقد غادرني أولادي بعدما كنت أتسلل ليلا الى حقائبهم وأسرق دفاترهم وأقلامهم وأكتب، فإني الآن لا يلذ لي إلا ان ادخل خلسة الى مكاتب الاصدقاء في الصفحات الثقافية في الصحافة اللبنانية لأسرق ورقا كثيرا وأقلاما مختلفة الألوان لأكتب ألوانا مختلفة من دون سرقة لأفكار الآخرين الا في حدود الضرورات التي تبيح المحضورات، غير ان الدربة الطوعية قد مكنتني ان أموّه مسروقاتي القليلة.. ويوما ضحك الصديق وقال: انك تسرق أقلاما فترتكب حراما جميلا فلماذا تسرق الأقلام الفارغة!. ودلني على أقلامه الممتلئة حبرا لأسرقها في غيابه.. ولكني ما زلت اسرق الأقلام الفارغة لأني لا استسيغ في العمل الفني والأدبي ولا أحب ان أكون إلا في الخاسرين او المحرومين، لأن الخسارة والحرمان هما الحلال الوحيد المتاح الآن.. ولا أدري متى يتبدل الحال؟

ومن هنا فإني أعاند ؟؟؟ العصر والانترنت والحاسوب... وأتصور اني سوف أموت قهرا او جهلا إذا ما جاء يوم لا تضطرني فيه الكتابة الى البحث الطويل والمضحك عن المصادر في مكتبتي العارمة بالفوضى، لأنتهي بعد البحث الى اكتشاف ان المصدر الذي ابحث عنه أمام عيني وفي متناول يدي منذ اللحظة الأولى!.. وأكون قد استنفدت طاقتي وأعصابي فأكف عن الكتابة وأذهب الى فراشي لأنام باكرا وأصحو باكرا وأكتب.. فلا أنام ولا أكتب ليلا ولا نهارا. أما ان لا يتكرر لدي ضياع أوراقي التي كتبتها لأجدها أحيانا في غرفة النوم او في المطبخ، فإن ذلك يشعرني بأن النقمة هي معادل النعمة ان لم تكن الحرية شرطا فعليا ودائما وغير مشروط للكتابة والابداع. 

سوف أكتب لأعالج مرضي، وسوف أحافظ على مرضي لأكتب، وأنا مطمئن البال الى ان لي من الحب والايمان ما يمنعني من ان أسبب للشعب والوطن أي أذية... ولسوف أمضي أحب وأنقد وأنقد فأحب حذرا من النفاق ومن الكراهية البغيضة. 

سوف أكتب وليقل أولادي ما شاؤوا ان يقولوا فيّ من قبيل: عذبتنا وأتعبتنا... سوف أكتب لأقرأ وأقرأ لأكتب وأقرأ وأكتب لأعرف وأعرف لأتحرر وأتحرر لأحرر وسوف يبقى الشك يقيني. واليقين شكي.. إلا بالله فهو حسبي ونعم الوكيل. 

قال لي صديقي يوما وهو يتلوى من ألم في معدته لأنه يكتب على الريق..: ان أكبر خطأ يرتكبه انسان عربي في حق أهله وعائلته هو ان يكون مثقفا وكاتبا.. ان هذا الذنب العظيم يغريني بارتكابه لأنه يمنحني الفرصة للحط من قيمة الكسل والكسلاء والجهل والجهلاء. 

قبل حوالى خمسة عشر عاما اكتأبت عندما اكتشفت ان موقع الكاتب هو الأضعف في تسلسل انتاج الكتاب وأعلنت ندمي على اني قررت ونفذت في حدود، تنظيم أسرتي لأتفرغ لانجاب الكتب ولما خاب أملي في بلاد تكافئ البطالين قررت ان استبدل الأولاد بالكتب.. بعد المشيب أدركت ان هذه المستويات في حياتنا ليست متناقضة، وأن التنظيم أصبح لازمة في الأسرة وفي الكتابة تجنبا للأخطاء والغثاثة الفكرية وتجنبا للجهل الذي ان عالجته بالعلم في أفراد عيلتك واجهك قرار الاقامة في التخلف والفساد ليحبط أحلامك العلمية وآمالك المعلقة على اشاعة المعرفة. إذن غداً نبدأ مرة أخرى. 

أنا الآن لافترض ان والدي وأكثر ارحامي لو كانوا قادرين على المشاركة في هذا الحفل، لأصيبوا بالدهشة، لأنهم ما كانوا يتوقعون لمنازلهم ان تتصل اتصالا عضويا بقصور الثقافة قياسا على قصور القاصرين من أهل الثروة الحرام، كانوا مجبرين على القناعة بأن الثروة هي المجد، وأن قصارى الثقافة ان تكون فرّاشة في القصر او نادلا.. غير ملتفتين الى أن الكدح والصبر والعفة والشراكة والقيم والأخلاق والايمان من شأنه ان يغير المشهد والأعماق.. أيها الأحبة دلوني على واحد او آحاد منكم الآن ومن أمثالكم من أهل الفكر والأدب، من أهل الجودة، قد أتى من مكان او تاريخ رخي هني “ألا وإن النبتة البرية أصلب عودا” يقول علي (ع).. بلى أنا اعرف ان بينكم بعضا من أهل النعمة يسهمون بإخلاص وكفاءة في ابداع المستقبل، ولكني أعلم أيضا انهم اجترحوا مسافة ما بينهم وبين منابتهم الطبقية من دون خيانة، واندمجوا في فقراء لبنان، أي الذين يغنى ويغتني بهم لبنان، دما وعرقا وحبرا.. 

ورغم ذلك فإني لا أستطيع ان أمنع دهشة أمي، على رضاها وضناها. أما زوجتي فهي غير مندهشة لأنها شريكة العناء والدأب والخيبة والحصار، شريكة الى حد انها أخذت موقعها في النص ناقدة على رضا من المنقود، وشريكة في الموقف مهما يكن الثمن تشبثا بالكرامة والدور، وإن كان هذا لا يمنع عتبا أحيانا على تضييع فرصة للراحة.. ولكن المبدأ كان يغلب دائما. وتناصرني إذا ما كال لي الأولاد نقدهم القاسي أحيانا.. وبعد ساعة يأتون إلي قائلين: حسنا ان ارتفاع الرأس خير من اندلاع البطن.. أما الأصدقاء فأجمل ما فيهم انهم لا تجمعهم طائفة ولا طبقة ولا قومية ولا كيان ولا مزاج ولا حساسية.. اني ابن الكتلة التاريخية بمعناها الحضاري التعددي.. وهذا مجدي وفخري ومنبع الحيوية في قولي وفعلي.. اني ابن الجميع.. أي لست ابنا لأحد.. ومن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر. 

ليس كوني هنا مكرما من الحركة الثقافية في انطلياس التي تجاوزَت جغرافيتها الى الوطن، دليلا على ان نصاب المواطنة هو خيار الحركة، بل ان وجودي، كما كان وجود غيري من أهل الطموح الى العطاء والعناء، هو نتيجة طبيعية ومنطقية لخيار الحركة، الذي، وهذا مجد من أمجادها، لم نكتشفه لاحقا، بعد الحرب، بل عرفناه على جفاء مرة وغيرة مرة وحسد مرة وغبطة مرة، أثناء الحرب، وهذه هي العلامة الأولى والمميزة في سلوك الحركة وتاريخها.. كان كثيرون منا أثناء الحرب، تعبر في وعيهم نداءات الاعتدال، ولكنهم سرعان ما يغلبهم المزاج او الخوف او الطمع، فيزينون البشاعات او يغضون الطرف عنها، أما الآن والحمد لله فإن أهل الاعتدال أسقطوا تحفظاتهم ومالوا جهارا في السلم الى النقد او التنصل من الحرب وبقاياها، تماما كالذين أسلموا بعد الفتح وهذه بركة ومرحباً.. غير ان الذين اسلموا قبل الفتح لهم ميزة ولهم حق لا يجوز غمطه، لأن ذلك يتصل منهجيا بأخلاقيات الحرب، لا بوظيفة، ترسيخ السلم، أعني العيش المشترك، أعني الحوار، أعني قبول التعدد على انه الأجدى والأغنى والأجل. إذاً فللحركة الثقافية في انطلياس امتياز السبق، وقد أكدت تميزها عندما استنكفت ان توظف صوابها وشجاعتها في مكسب عاجل.. وها هي ماضية على ما تأسست عليه.. وها أنا الآن مكرَّم لا لاعتبار الا ملتقاي على المفرق مع الناهدين الى وطن لبناني ناهض بكل أهله من أجل الكل.. واني على هذا الطريق لا أحاول ملكا وإنما اقول كلاما “وللألفاظ سلطان على الإنسان” إذاً فأنا شريك الساعين الى جعل المعرفة والحق والحقيقة تأخذ فرصتها في سلطتها الطوعية، سلطة الاحتكام لا سلطة الحكم والحاكم او المتحكم.. اعتبر هذا تشريفا يؤكد ويجدد التكليف.. ولا انسى اني رجل دين مسلم شيعي جنوبي هنا في قاعة هذه الكنيسة على طرف العاصمة وبداية الشمال وحضن الجبل هذا موقعي الذي حددته لي الحركة... شكرا ولن أغادره، سأسهر معكم على حراسته من الفريسيين وأقف معكم على الباب لمنع الأشرار والفجار من هدم الهيكل وتطهير بعض مساحاته. بعدما دنسوها. 

* ألقيت في حفل تكريمي أقامته الحركة الثقافية في انطلياس للكاتب.

§ وصـلات:

Main Page

    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Opinions Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic