نداء نداء نداء

 غسان مطر

 

 بيروت - 19 نيسان / أبريل 2002 


(إلى محمود درويش)

بوسعك ان تكتب الآن، فالحبرُ بحرٌ، 
ولو نفدَ البحرُ لن ينفد الحبرُ، 
فاكتب، 
ولو نفد الحبر لن تنفد المفرداتْ. 
بوسعك ان تكتب الآن: 
“ليس على هذه الارض ما يستحق الحياةْ” 
على هذه الارض ما يستحق التوحد بالارضِ 
فاكتب لسيدنا الموت 
وارفعْ لآياته هيكلا عاليا 
واستجب لصدى الزغرداتْ 
يطرزها وجع الامهات نشيدا جديداً 
لأولادهن الذين مضوا في الصباح، 
فهل فرح العمر اكبر من وجع الامهاتْ؟
 


بوسعك ان تكتب الآن؛ 
جرحك مشتعل بالحرائق والموت 
لا بالبنفسج والياسمين، 
وجرحك مشتعل ببخور الكنيسة في “بيت لحم” 
وجرحك مشتعل بالقبور التي عانقت بعضها في “جنينْ” 
فكيف تنام وتحلم واللص يسرق عينيك؟ 
والليل يسكنه خنجر المجرمينْ؟ 
هل “انصرفوا” كي نعود الى بيتنا الارجواني، 
نجلس فوق الاريكة، 
نغفو، 
ندلل قطتنا المستكينة، 
نزرع وردا، 
ونقطف بابونجا طازجا، 
ونغني لليلى، 
وننسى الوجوه الجريحة في خيم اللاجئينْ؟ 
هل “انصرفوا” كي يكون لنا زمن للدعابة والحب 
والضجَر الآدمي؟ 
هل “انصرفوا” كي يكون لنا فرح البسطاء، 
وبيت نزنّره بالسلام، 
ونفرشه بالحنينْ؟ 
ونكتب ان “على هذه الارض ما يستحق الحياةْ” 
وليس لنا فوقها حجر لنموتَ عليهِ 
وليس لنا فوقها حجر لنقيم الصلاةْ؟ 
وهل فرح العمر اكبر من وجع الامهاتْ؟
 


بوسعك ان تكتب الآن؛ 
أين تقيم؟ 
تحسسْ يديك واوراقك الباكيات، 
ألستَ ترى يا غريبَ المنافي صقيعَ المنافي وجمر العراء؟ 
وانك لم تكتب الشعر إلا لتفضح فيك اشتياقك 
للارض والاهل والاصدقاء؟ 
وانك لم تتناثر على الارض إلا لأنك لم تجد الارض بعدُ؟ 
وانك تصرخ في غربة الروح والدار؟ 
أنك تُقلق صمت الهواءْ؟ 
وانك مستوحد مثل ذئب حزين 
وحولك لا شيء إلا الدماءْ؟ 
لمن يا غريبَ المنافي تمد اليدين 
وما بينهم غير صلّ ولصٍ 
وما بينهم غير دبابة تطحن الابرياءْ؟ 
فهَبْكَ مسيحاً، لقد صلبوهُ، 
وهبك نبياً، 
فقد قتلوا قبلك الانبياءْ، 
فراجعْ يديكَ، ولا... لا “تُربِّ الأملْ” 
لأن الذئاب التي افترستْ ارضنا 
عاهدت ربها ان تهيئ أنيابها 
لافتراس الحملْ 
فكيف يكون على هذه الارض ما يستحق الحياةْ؟ 
وهل تكتفي من حنينك للارض بالذكرياتْ؟ 
وهل فرح العمر اكبر من وجع الامهاتْ؟

 


بوسعك ان تكتب الآن؛ 
“سجّلْتَ” قبل ثلاثين عاما 
وما زال صوتك يهدر فينا لهيباً وغارْ، 
وغنيتَ قبل ثلاثين عاما لزيتونة تتحدى الحصارْ، 
وناديتَ “قهوةَ أمكَ” قبل ثلاثين عاما 
فكنتَ لنا راية من حنين ونارْ، 
بوسعك ان تكتب الآن ان ثلاثين عاما مضت، 
والبلاد التي حبُّها جُرحُنَا لم تزلْ جُرحَنَا المستباحَ، 
وتخجل من اسمها المستعارْ. 
بوسعك ان تكتب الآن أن “أبا جندلٍ” (1) 
مات كي لا يموتَ 
وكي لا نموتَ 
وان الصبايا اللواتي شددن حزام الحياة على خصرهن 
كتبن لنا أول الانتصارْ. 
 


بوسعك أن تكتب الآن 
أن على هذه الارض ما سيكون لكي نستحقّ الحياةْ 
لأن فلسطين كلَّ فلسطين سوف تعود، 
وان الطغاةْ 
سينصرفونَ 
وأن فلسطين، كلَّ فلسطين، سوف تعودُ 
وتولَدُ من حُلم الشهداءِ 
وتولَد من فرح الزغردات 
وان فلسطين، كلَّ فلسطين سوف تعودُ 
وتولَدُ من وجع الأمهاتْ. 


(1) قائد ميداني استُشهد في جنين

 

 

 

إقـــرأ:

 

 
    

 
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Guestbook Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic