الحضور الطاغي للهاجس الاقتصادي والأمني
السياسة غائبة في القرى المسيحية المحررة


السفير (الخميس، 24 أيـار 2001)

دنيـز عطاللـه حـداد


لا تبدو القرى المسيحية المحررة تعيش هواجس سياسية خاصة، لا بل تكاد السياسة بحد ذاتها، أن تكون غائبة عن اهتمامات الناس وهمومهم. أما الهواجس الفعلية فتندرج تحت عنوانين: الوضع الاقتصادي والمعيشي، والاستقرار الامني والنفسي، وفي هاتين النقطتين يستفيض أبناء تلك القرى من برج الملوك، القليعة ومرجعيون إلى دبل ورميش وعين ابل في التحليل والشرح والتعليق.

في السياسة "نحن ضائعون. لا احد يمثلنا، بمعنى ان احدا لا يسعى إلى إيجاد حلول جذرية لمشاكلنا"، كما يقول مختار "عين ابل" صبحي العموري. ويتحدث عن "تاريخية المرجعية الشيعية في الجنوب"، وهو كلام يردد أيضا في مرجعيون، ويؤكد احد أبنائها "ان زعامة الجنوب معقودة دائما للمرجعيات الشيعية، لم يكن ذلك يثير حساسية احد من أبناء المنطقة المسيحيين ولا هو يفعل اليوم". ويستفيض احد وجهاء بلدة القليعة في شرح وجهة نظره "أهل الجنوب عموما مسيحيين ومسلمين غير طائفيين. بل على العكس تخيفهم الموجات الطائفية. والحديث عن خصوصية مسيحية اليوم لا تعني كما الحال في بقية الوطن "انقسام او انضواء تحت راية هذا الحزب او ذاك التيار.

 ففي بلدتنا مثلا لا نجد "قوات" و"كتائب" و"عونيين" و"أحرار"، أو أي محازبين": يضيف "يشعر معظم من بقي من المسيحيين في الجنوب، وكأنهم متهمون دائما بوطنيتهم. هم "عملاء" ونقطة على السطر. هذا الموقف يدفع البعض الى اللجوء الى طائفته ليحتمي بها او الى اي حزب ينضم إليه.

 وبما أن معظم احزابنا طائفية، فطبيعي ان يجد نفسه محازبا مسيحيا في حزب مسيحي. لم نصل بعد الى هذه المرحلة، لكن لو كانت الاحزاب اكثر فاعلية وحضورا على الارض لا شك كنا وصلنا".

هذا "الوجيه" الذي لديه الكثير ليقوله لا يفصح عن اسمه كما هي حال كل من التقينا في تلك القرى. بل ان شرط الحديث بصراحة ألا تذكر الأسماء. والشاب الذي صدفة نده له أصحابه باسمه في مرجعيون وكان يتحدث عن "عدم معرفته للدولة التي لم تقدم له شيئا من تاريخ مولده عام 1983، في حين أن إسرائيل شقت الطرق وأمنت الطبابة وسهلت المعيشة" ارتبك فجأة وتلعثم وهو يحاول ان يضيف "بس يعني حلو التحرير ويرجع البلد مستقل".

    خوف من وعلى
الخوف، توصيف دقيق لحال أبناء تلك القرى. الخوف مما هو قائم والخوف على المستقبل.

يخافون من "حزب الله" و"أمل" والدولة بنسب متفاوتة، والجديد أنهم يخافون من بعضهم البعض. في رميش يخبرنا رجل مسن "أن من يسلم شخصا عمل مع الاسرائيليين او في الجنوبي يقبض خمسين دولارا و.. فهمكن كفاية".

وكلام مشابه يردد في عين ابل: "بالأمس اخذوا رجلا لأن من وشى به، قال انه كان يتقاضى راتبا من "الجنوبي" لأنه كان عميلا والصحيح أن الرجل بعد ان أخذ في أوائل الثمانينات بالقوة للتجند في "الجنوبي" حاول الهرب فأصابوه في عينه وفقدها. وبعد وساطات طويلة وتدخلات راحوا يدفعون له مبلغا رمزيا في الشهر. والمؤسف ان ابناء البلدة الواحدة يوشون على بعضهم".

وتخبرنا سيدة انها حين اختلفت مع جارتها على موقف السيارة هددتها الجارة "إسا (الآن) رح ابعتلك "حزب الله"..

يخافون من ابناء بلدهم وبلداتهم. فهل يخاف مسيحيو "الشريط المحرر" اسرائيل؟ يجيب شاب من "دبل" "صرنا نخافها.. يوم كنا نعيش تحت سيطرتها لم نكن نخاف منها، وهي لم تكن تؤذي أبناء الشريط، مسلمين ومسيحيين، شرط ألا يؤذوها. لكن انسحابها بالطريقة التي فعلت، وما نسمعه عن معاملتها لمن تهجر من أهلنا وكلام من هنا وهناك، غيّر صورتها في نظرنا. فهي لا صديق لها أو حليف. إنما تعمل مصلحتها".

سيدة من "القليعة" تستنكر السؤال عن الخوف من اسرائيل "ليش شو عملت معنا عاطل؟ كانت رحومة أكثر من الدولة. لو كان لدينا دولة مثل إسرائيل كنا حكمنا العالم".

في رميش يتردد شابان في تحديد موقفهما من إسرائيل "مشكلتنا يقول احدهما اننا نعرف تاريخيا ان اسرائيل عدو وهي تكره اللبنانيين عموما، لكننا في البلدة، باستثناء فرضها التجند الاجباري في "الجنوبي" بين فترة واخرى، لم نعش على المستوى اليومي تجربة سيئة مع إسرائيل. بينما الدولة التي لم نعرفها قبلا ولم تزرنا إلا للاستعراض، لم تترك لدينا اي انطباع جيد. خرجت اسرائيل ولم تأت الدولة لتملأ الفراغ فصرنا نترحم على إسرائيل". يتدخل رفيقه ليوضح: "كلامنا ليس في السياسة او الوطنية نحن لبنانيون اكثر من غيرنا وقبل غيرنا. لكننا طلاب أمن وعمل. أوليس الوطن أرضا نشعر بالانتماء إليها، وسقفا يحمينا ومكانا نرتزق فيه؟ كل ذلك ليس متوافرا الآن. حن لا ندعي أننا كنا في احسن الاحوال يوم كانت تحتلنا إسرائيل، لكن الامور لم تتحسن بعد التحرير كما وعدنا بل ازدادت سوءا".

الاجماع على "ازدياد الأوضاع سوءا" يبدو مطلقا، لكنه ينطلق من خلفية اقتصادية اكثر من سياسية. يضحك مواطن في مرجعيون، يملك مجموعة محال، حين نسأله عن الموقف من اسرائيل، ويعلق: "نتفق معها في اللغة والدين والايديولوجيا؟!" ويضيف بحرقة "لا شيء يجمعنا بإسرائيل ومع ذلك نترحم عليها. والسبب؟ طوال اليوم لم يدخل زبون الى محلاتنا الستة، وبالأمس بحثت في الجوار عن "صرافة" مئة ألف ليرة فلم أجد مع احد. وتسألون عن إسرائيل؟ احيانا أشك بأن الدولة تريدنا أن نترحم على إسرائيل، وإلا ماذا تفسرون إهمالها لنا بعد "الاستعراض النيابي" في بنت جبيل؟".

ويتدخل جاره ليذكر "نحن أيضا لعبنا دورا في تحرير الأرض، بقاؤنا هنا ترك للأرض ناسها وحماتها. والمقاومة لم تكن في بداياتها إسلامية، كانت مقاومة وطنية وسقط لنا شهداء من إبل السقي الى دير ميماس وغيرها. يضيف: "لكننا اليوم، وقد كنا نظن ان لنا حلفاء في المقاومة بتنا على حذر منها".

ويجتمع بعض أهالي البلدة ويشاركون في الحديث مطالبين "بالجيش. هل يجوز ان يفجر محل يبعد عن السراي حوالى مئة متر هل نبقى ننتظر حكما استنسابيا داخل قاعات المحاكم وخارجها؟.. باتت مواعيد الدوريات معروفة في المنطقة، ننتظرها لنعيّر عليها ساعاتنا نحن ومن يريدون فرض أحكامهم وعقابهم علينا".

    بين المسيحيين والشيعة
في "مرجعيون" و"القليعة" يتحدثون عن مبالغ طائلة دفعت للقرى الشيعية. يكتفون بالتعميم وتناقل الكلام. بينما في "دبل" و"عين إبل" و"رميش" فيحددون اكثر "أنظروا الى "حانين". لم يكن فيها منزل وها هي ورشة قائمة. مئات المنازل والعمل لا يتوقف، اما نحن فنتفرج ونتحسر" (حانين دمرت بشكل كامل، ولم يبق فيها حجر على حجر، من قبل ميليشيا لحد).

وعند التذكير بأن معظم هذه المنازل دمرت في الحرب وهجر أهلها يعلق احد ابناء دبل: "وهل يكون الحل بتهجيرنا وتوقيف أعمالنا وتشريد عائلاتنا لتستعيد الامور نصابها؟ نحن لا نريد سوى فرص عمل بكرامتنا ومن دون ان نضطر الى التزلم لفلان او غيره".

في رميش ايضا يتحدثون عن حانين كمثال: "فالتمييز واضح. يقول رجل يعمل في التجارة. التعويضات دفعت للقرى الشيعية، ومجلس الجنوب يهتم بالقرى الشيعية. "حزب الله" و"امل" يتسابقون لخدمة تلك القرى، نحن لا نطالب بألا يساعدوهم. فهم مثلنا معتبرين. لكن لماذا التمييز؟ نحن لا زلنا حتى الآن نشرب من مياه إسرائيل والمثل يقول "يا باخلا بالماء بما تجود؟".

مختار عين ابل، لا يذكر شيئا قدمته الدولة من سنة وحتى الآن: "من نحو شهر بدأ مجلس الجنوب بحفر بئر في البلدة في حين ان المياه تزورنا كل 15 يوما". بدوره يتحدث عن حانين: "تبرعت لها دولة الكويت بإعادة الإعمار، والعمل فيها ناشط. أما "عين ابل" فقد توقف فيها كل عمل مهما صغر.

 وعوضا من ان يعود بعض أهلها إليها فإن من فيها يذهبون بحثا عن عمل". يضيف "لم تصدق الدول المانحة مع الدولة وهي بالتالي لم تصدق معنا. لكن الحال لا يمكن ان يدوم هكذا. فالناس مهددة بحياتها خصوصا ان كثيرا من الرجال في السجون؛

يتشابه الكلام في القرى المسيحية في الشريط المحرر، كما المطالب والهواجس. تكثر الشائعات وحكايا القرى المضخمة بالخوف حينا وبالاماني احيانا. ولعل جواب تلك المرأة التي تملك محلا في "القليعة" عمن يمثلها اليوم من السياسيين خير دلالة على "الهاجس الاكبر": "يمثلني من يستطيع ان يعيد لدكاني مدخولا يوميا يتراوح بين 400 و500 دولار كما كان، بدلا من مدخولها الحالي الذي يكاد لا يتجاوز المئة دولار في اسبوع".


 

 

25 May 2000 - 2001

 
 

 

 

Home - English Contact Us Discussion Board Guestbook Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic