الفراغ الاقتصادي التنموي في المناطق المحررة يتفوق على الفراغ الأمني
غياب مشاريع الدولة يبرر غياب القطاع الخاص


السفير (الخميس، 24 أيـار 2001)

عدنـان الحـاج

سنة على تحرير الجنوب من الاحتلال الاسرائيلي، وسنة بالتمام والكمال على اقرار الحكومة اللبنانية السابقة للبرنامج الانمائي للمناطق المحررة والمتاخمة بموجب القرار الصادر يوم 23/5/2000، والذي تضمن تحديد الاحتياجات المطلوب توفيرها لهذه المناطق على المديين القصير والمتوسط، والبالغة اكلافه حوالى1200 مليون دولار على مدى خمس سنوات.

والاهم من اطار البرنامج المقر في حينه، الهدف المعلن لوضعه، وهو اعادة الحياة الطبيعية على الصعيدين الاقتصادي والاجتماعي للمناطق المحررة، اسوة بالمناطق الاخرى الاكثر حرمانا في لبنان. وحددت مدة البرنامج بخمس سنوات انقضت الاولى منها من دون تنفيذ اية مشاريع فعلية يمكن ان تسمى تنموية. والامثلة كثيرة، باعتبار ان انتهاء احتفالات التحرير في الاشهر الاولى من الصيف الماضي انقلبت الى تحويل الشريط الى مناطق محرومة فعلا حتى لا نقول مهجورة، إلا من بعض الزيارات الرسمية لبعض النواب الساعين وراء قواعدهم الانتخابية، لا سيما في مناسبات التعازي.

حتى اهالي المناطق الذين عادوا مع احتفالات المرحلة الاولى انقطعوا عن مناطقهم الا بالمناسبات، حيث عادت القرى لتفرغ حتى في نهايات الاسابيع التي كانت تشهد ازدحامات في البلدات الجنوبية عموما، والكبرى منها بشكل خاص. وتكفي شهادات اصحاب المحال التجارية الذين بدأوا يشكون جمود الحركة والتفكير بالنزوح باتجاه بيروت، وهذا امر بديهي ومحسوب له منذ اليوم الاول للتحرير. فالاقتصاد الموازي الذي خلقه العدو الاسرائيلي بالمهن الهامشية والعمالة في الارض المحتلة، لم تستطع الدولة اللبنانية حتى تاريخه، خلق البديل عنه ولو بنسب ضئيلة.

اكثر من ذلك فإن الخلاف الداخلي، وتنازع صلاحيات الادارات، والنفوذ، أخرت بدورها المساعدات المقرة لاهالي الشريط المحرر، بدليل ما حصل مؤخراً في عملية اقرار موازنة مجلس الجنوب، علما بأن القرار اتخذ بدفع تعويضات لاهالي المناطق بمعدل 10 ملايين ليرة للاصل والفروع، وقدر الاكلاف اولا بحوالى 150 مليار ليرة ثم ارتفعت الى حدود 450 ملياراً بعد اضافة الفروع على اساس مساواة الامر بين تقديمات هذه المساعدات وتقديمات صندوق المهجرين.

المهم في الامر ان عناصر الصمود الاقتصادي المرحلي، بانتظار تأمين تنفيذ المشاريع التنموية لم تؤمن لهذه المناطق، ما زاد الامور سوءا، فكان الفراغ على الوجهين: الفراغ الاداري، والفراغ التنموي الاقتصادي، حتى لا نقول الفراغ الامني في المناطق.

فالذي نجحت في تنفيذه اسرائيل خلال احتلالها، هو خنق اقتصاد المنطقة والتضييق على الحرف والمنتجات اللبنانية لجعل اهالي مناطق الشريط، رهائن عن طريق ربطهم بسوق العمل الاسرائيلي، وهي السوق التي اقامتها في الشريط الذي كان محتلا، قبل ان تخرقه عودة بعض الزراعات الاساسية لا سيما زراعة التبغ المدعوم من الدولة، وهو باب الرزق الوحيد للعديد من العائلات حتى الآن. ولم تستطع السلطة اللبنانية حتى هذه اللحظة خلق البديل المؤقت على الاقل، ولم يعد من المستغرب ان تسمع بعض العاملين في المناطق الجنوبية يصرحون بأن الحركة الاقتصادية تراجعت كثيرا بعد التحرير بسبب الاهمال، لا سيما ان مداخيل 35 الى 45 في المئة من اهالي المنطقة كانت ارتبطت بالنشاطات المتفرعة من الوجود الاسرائيلي.

ولا يمكن اغفال عملية اليد العاملة التي كانت تشتغل في اسرائيل، وتحصل على متوسطات اجور تتراوح بين 600 و700 دولار شهريا، ويزيد عدد هؤلاء حسب تقاطع التقارير عن 3000 عامل.

ولا يفترض بالتالي ان تغيب الآثار الاقتصادية لعمليات التهريب للدخان والمشروبات والسلع الاخرى التي كان يراها الاهالي رخيصة جدا مقارنة بالاسعار الخاصة بالمنتجات الذاهبة من السوق اللبنانية الى تلك المناطق، مما جعل اهالي هذه المناطق يشعرون اليوم بفروقات اعباء المعيشة مع تراجع المداخيل وجمود الاسواق.

والسؤال الطبيعي الذي يطرح نفسه هنا: اذا كانت العاصمة وكل المناطق الاكثر تنمية تعيش حالة من الجمود الاقتصادي والتردي المعيشي فكيف بالمناطق الاكثر حرمانا حسب الدراسات، (مرجعيون في الجنوب، وعكار في الشمال ومنطقة بعلبك الهرمل في البقاع) وهي المناطق الاكثر فقرا، وتعاني من نسب عالية في البطالة وتردي التقديمات الاجتماعية.

أين المسؤولية؟ ومن المسؤول؟
أليس غريبا ان تتراجع الحركة الاقتصادية والاجتماعية في مناطق كانت محتلة طوال ما يزيد عن 22 سنة، بعد سنة من عودتها الى كنف الوطن والدولة؟
وهل بات المبدأ في لبنان هو ان الذي يدفع ضريبة الحرب عليه ان يدفع ايضا ضريبة السلام، بمعنى اصحاب المداخيل المحدودة والفقراء من المواطنين بشكل عام، لا سيما العاملون في الحرف والحيازات الصغيرة، كما هو الوضع في الجنوب والبقاع الغربي وغيرهما؟
اذا كان الامر كذلك، فليس من داع للسؤال عن مصير البرنامج التنموي ومضمونه وخطط الدولة ومشاريعها واللجان والتخمينات والتعويضات.

فالوضع المالي للدولة يعاني من الصعوبة القصوى. الا ان الحقيقة ايضا ان البلد الذي يعاني من مديونية عالية تصل الى حدود 7،26 مليار دولار وهي تفوق حوالى 155 في المئة من حجم الناتج المحلي، يستطيع ان يتحمل بعضا من هذه المديونية ويسعى لمساعدات اكثر واكبر من الرذاذ الاميركي المشروط رشه على بلد يحترق بالقذائف الاميركية منذ عشرات السنين.

أليس في تنفيذ المشاريع التنموية للجنوب عنصرا جاذبا للاستثمارات من قبل القطاع الخاص في هذه المناطق وغيرها؟

انها الحقيقة تماما فحجة القطاع الخاص اللبناني لعدم الاستثمار في مناطق الجنوب عموما والمحررة بشكل خاص يعتمد على ان القطاع الخاص ينتظر ان تبدأ الحكومة بتنفيذ ما عليها من مشاريع تنموية في البنى التحتية وتفتح ورشة المشاريع، وعندها يتشجع القطاع الخاص ويبدأ بدراسة الجدوى الاستثمارية في الجنوب.

في هذا الاطار يعبر رئيس غرفة التجارة والصناعة في الجنوب محمد الزعتري عن الواقع القائم بالقول: <<ان القطاع الخاص لم ينفذ اي شيء ملحوظ في المناطق، وان هناك بعض الدراسات تجري من قبل العديد من المستثمرين، ولكنها تنتظر ما ستقوم به الحكومة من مشاريع تساعد القطاع الخاص على الاستثمار في المناطق الجنوبية>>.

ويقول الزعتري <<ان النشاط الاقتصادي في المناطق المحررة، ما يزال يعتمد على بعض المجمعات الحرفية والصناعات البسيطة. والمنطقة بالاساس سياحية ولا توجد فيها اية مشاريع سياحية، وهي زراعية وضُربت زراعاتها باستثناء بعض المنتجات التي تقوم على مبادرات محدودة ميزتها الاساسية انتاج التبغ>>.

عودة إلى البرنامج
ان منطقة فقد حوالى ثلث سكانها مصادر مداخيلهم، فيها حوالى 20 ألف ناشط اقتصاديا، وعدد السكان كان يقدر في ايام الاحتلال وفي المراحل الاولى للتحرير بحوالى 265 ألف شخص وهو بالاساس يفوق 460 ألف نسمة تحتاج الى وقفة مختلفة، على الصعيدين الداخلي والخارجي:

1 فالتقصير الداخلي مرده الى اكثر من عامل ابرزها التسابق للفوز بتسجيل المواقف، واحتكار صلاحيات تنفيذ المشاريع. هذا امر واضح في صراع الادارات منذ اليوم الاول بين مجلس الجنوب ومجلس الانماء والاعمار والادارات والوزارات المختصة. وقد حسم بعضه الا ان البعض الآخر ما يزال عالقا.

اضافة الى ذلك، فإن حصة الدولة من الانفاق على البرنامج الانمائي لم تحدد ولم تعلن ولم تلحظ لا في قوانين برامج ولا في مديونيات معلنة ولا في الموازنة العامة، باعتبار ان كلفة البرنامج السريع المحددة بحوالى 210 ملايين دولار، والبرنامج المتوسط وكلفته حوالى 1200 مليون دولار، يفترض ان تلحظ وتؤمن تباعا.

2 اما التقصير الخارجي فهو اكبر باعتبار ان الدولة اللبنانية منذ حكومة الرئيس سليم الحص، ووصولا الى حكومة الرئيس رفيق الحريري الرابعة، لم تستثمر تحرير الجنوب لدى الدول العربية والدول الصديقة بالطريقة اللائقة، حتى بات مطلب ارسال الجيش الى الجنوب من بعض الدول والقوى السياسية المحلية يغطي على موضوع احقية المساعدات العربية للبنان، السابق منها والمستجد، وكذلك يغطي احقية لبنان بالحصول على مساعدات وتعويضات الدول المانحة. وقد فسر هذا الامر مؤخراً بقرار الكونغرس الاميركي بوقف المساعدات للبنان وقيمتها 35 مليون دولار، لعدم ارساله الجيش الى الجنوب، علما بأن تعويضات الاضرار الزراعية لمنتجات التبغ في الجنوب خاصة تفوق هذا المبلغ بعدة اضعاف.

الحضور الفوري للدولة
ازاء هذا الوضع القائم والمستمر، لا بد من السؤال عن مصير البرنامج والخطة الطارئة التي اقرتها الحكومة منذ سنة، والتي سبقتها دراسات عدة مع بداية الحديث عن امكانية حصول تسوية في المنطقة، اي قبل سنوات من الانسحاب الاسرائيلي من جنوب لبنان:

أ لقد اجمعت كل الدراسات على ان الحاجة الاساسية لسكان المناطق هي ايجاد فرص عمل بمعدل حوالى 6 الى 8 آلاف فرصة عمل سنويا لتغطية فراغ الاقتصاد الموازي من جهة، وايجاد فرص جديدة للشبان الموجودين في المنطقة والذين سيعودون إليها.

ب التركيز على ضرورة ايجاد المساكن للمتضررين والمهدمة مساكنهم، سواء بالتعويضات السريعة او عن طريق اعادة اعمار القرى التي قدرت اضرارها بحوالى 148 مليون دولار. وقد تقدمت الكويت بهبة 20 مليون دولار لاعادة بناء سبع قرى.

ج القضية الاساسية الثالثة الطارئة هي قضية الالغام وضرورة ازالتها لانها تعيق الحركة الاقتصادية وتعيق حركة المواطنين وتفعيل بعض النشاطات الاجتماعية.

توقيف البرنامج الخطة
يتضمن البرنامج ثلاثة اقسام اساسية يمكن تلخيصها ببساطة باعتبار ان المشاريع كلها لم تدخل حيز التنفيذ حتى تاريخه، وان بدأت بعض الدروس لبعض هذه المشاريع:

1 القسم الاول يتعلق بالخدمات الضرورية بالاضافة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية. كلفة هذا القسم حوالى 1080 مليون دولار للشق الخاص بالتنمية الاجتماعية بما فيها القطاع الصحي والتعليمي والشباب والرياضية والتعليم المهني والتقني والتنمية المحلية.

اما كلفة التنمية الاقتصادية فقدرت بحوالى 391 مليون دولار، منها دعم المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، ودعم القروض الصغيرة، بما في ذلك دعم القطاع الزراعي، ومشروع ري لبنان الجنوبي (قناة 800) الذي يعتمد عليه لاحداث نقلة في القطاع الزراعي، وكذلك مشاريع البيئة.

اما الخدمات الاساسية فتقدر اكلافها بحوالي 510 ملايين دولار وتشمل مياه الشرب والصرف الصحي والكهرباء والاتصالات والطرق ومعالجة النفايات الصلبة وترميم واعادة بناء الابنية الحكومية.

2 يتعلق القسم الثاني من البرنامج بالمساعدات والتعويضات البشرية والمادية، وتبلغ كلفته حوالى 148 مليون دولار، وهي مرشحة لتتضاعف بعد الزيادات التي ادخلت على موضوع التعويضات السكنية التي ما تزال موضع خلافات بالنسبة للتمويل، ومن ضمنها تعويضات الجرحى والمعتقلين واسر الشهداء.

3 القسم الثالث يتعلق بالمساعدة على ازالة الالغام، وقدرت اكلافه بحوالى 1،8 ملايين دولار.

التمويل المتوافر
وحسب مجلس الانماء والاعمار فإن التمويل المتاح حتى الآن ما يزال بحدود 130 مليون دولار مخصصة لبعض المشاريع:

الكويت: قدمت هبة بقيمة 20 م. د. أ لاعادة اعمار القرى المدمرة (7 قرى). يشمل جزء من التمويل (بحدود 15%) اعمال البنية التحتية في هذه القرى.

الصندوق العربي: قدم هبة بقيمة 10 ملايين دولار لتجهيز مستشفى قائم وتنفيذ بعض مشاريع البنية التحتية.

البنك الاسلامي: قدم قرضا بقيمة 100 مليون دولار لقطاعات الطرق، المدارس، انشاء مراكز صحية (الخيام، رميش، شبعا) وتجهيزات للمستشفيات (تبنين، جزين، حاصبيا)، مياه الشرب (محطة تكرير الطيبة وتأهيل انظمة المياه المرتبطة بها والتابعة لمصلحة مياه جبل عامل)، الصرف الصحي (تجميع ومعالجة مياه الصرف الصحي شمال وجنوب بحيرة القرعون).

وخصص البنك الدولي 9 ملايين دولار لمشاريع مياه الشرب وهي رصيد من قرض سابق.

اما التمويل المحلي فهناك مخصصات مجلس الجنوب (50 مليار دولار) او بعض المشاريع التي نفذتها وزارة الاشغال. يضاف الى ذلك بعض التمويل المتوقع من مؤسسة التنمية الفرنسية لمشاريع المياه بحدود 10 ملايين دولار وهبة متوقعة من المجموعة الاوروبية بحوالى 20 مليون دولار.

غياب القطاع الخاص
كل ذلك يؤشر الى قضية اساسية ان القطاع الخاص اللبناني ما يزال غائبا عن الحضور في المناطق المحررة، باستثناء افتتاح بعض الفروع المصرفية وهذا يعود لغياب تنفىذ المشاريع الانمائية من قبل الدولة. والحضور المصرفي في المناطق يعتبر اساسيا باعتبار ان كل التمويل للقطاعات الاقتصادية يمكن ان تؤمنها المصارف المحلية التي تملك سيولة عالية بالعملات الاجنبية تفوق 11 مليار دولار جاهزة للتسليف.

في الخلاصة لا بد من القول ان هكذا برنامج لتنمية مناطق الجنوب المحررة منها والمتاخمة، والمناطق الاخرى المحرومة في عكار وبعلبك الهرمل والبقاع الغربي، تحتاج الى جهود منسقة تتفق اولا على مفاهيم التنمية، باعتبار انه لم يعد كافيا اطلاق البرامج الطموحة كما الخطط العشرية والخمسية في مجلس الاعمار وبطريقة ملف <<الكباس>> بتجميع المشاريع وطرح شعارات الانماء المتوازن بأكلاف كبيرة. بعدها تنتهي مقتصرة على التنفيذ المجتزأ والمرتفع الكلفة للائحة من مشاريع البنية التحتية غير المترابطة في ما بينها وغير الواضحة في آثارها على سائر الانشطة والفعاليات الاقتصادية.

باختصار، في كل مرة، الدولة تنفذ ما تعودت اداراتها واجهزتها على تنفيذه، فهل تكون تنمية الجنوب هذه المرة مغايرة اقتصادا في الامكانات وتوظيفا مفيدا لها، ام سينتهي الانفاق في الجنوب كما في ملف المهجرين، ذا طابع توزيعي للمشاريع والمداخيل، فلا تترافق معه آثار تنموية تذكر للمناطق المعنية لناحية خلق مؤسسات منتجة وفرص عمل دائمة ومداخيل حقيقية، بل يتحوّل الانفاق الى استهلاك اضافي، مستورد بمعظمه، يفاقم اختلالات وتشوهات البنى الاقتصادية والاجتماعية في لبنان ويفاقم المخاطر التي قد تنجم عنها للبلد فتبقى الابواب موصدة امام النمو ومشرعة امام الهجرة.


 

 

25 May 2000 - 2001

 
 

 

 

Home - English Contact Us Discussion Board Guestbook Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic