من أرشيف المخابرات اللبنانية
اعتقال أحمد الحلاق وإعدامه


السفير (الخميس، 24 أيـار 2001)

علي الموسوي

 

كان أحمد الحلاق أول عميل لإسرائيل يتم إعدامه في لبنان بعد إدانته بارتكاب متفجرة صفير في الضاحية الجنوبية، حيث قتل ثلاثة مدنيين هم: فؤاد مغنية، ومحمد مسلماني ومحمود حسون وجُرح خمسة عشر آخرون. 

هنا فصل من كتاب الزميل علي الموسوي “شبكات الوهن، عملاء إسرائيل في قبضة القضاء” الصادر حديثا بجزئه الأول عن دار الهادي، يروي للمرة الأولى تفاصيل اختطاف الحلاق من عمق “الشريط المحتل” بعد لقاء مع المخبرين الخاطفين: 

    اعتقال الحلاق 

اتخذت مديرية المخابرات في الجيش اللبناني قرارا باعتقال الحلاق وسوقه مخفورا في تحدّ ظاهري للاستخبارات الاسرائيلية التي كانت مسؤولة عن سلامة عميلها، وتوافرت معلومات امنية دقيقة عن عودته من الخارج الى منطقة “الشريط المحتل” من جنوب لبنان، وكلفت المديرية بشخص مسؤول فرع المخابرات في صيدا والجنوب آنذاك العميد الركن ماهر الطفيلي وضع الخطة المناسبة وإجراء اللازم، فتوصل الى تسليم المهمة للمخبر رمزي سعيد نهرا (والدته سمية خليل سويدي مواليد إبل السقي في العام 1962رقم السجل 65) الذي وافق على هذا الأمر على الرغم من عدم خلوه من المخاطرة وباشر التنفيذ. 

يعيش رمزي نهرا الذي يجيد اللغتين الانكليزية والعبرية، في بلدته إبل السقي وتربطه صلات صداقة وتعارف مع عدد من المسؤولين في ميليشيا انطوان لحد وجهازها الأمني، ومن بينهم العميل محمد مصطفى الغرمتي الملقب ب”أبو عريضة” الذي كان مولجا بالحراسة على الحلاق، وعرف نهرا ان أبا عريضة يسير مع شخص غريب، فذهب إليه للتحقق مما إذا كان هو الحلاق نفسه المطلوب أم لا، خصوصا ان مديرية المخابرات ارسلت لنهرا رسما شمسيا صغيرا له، فاستقبله ابو عريضة وعرفه الى صديقه ميشال خير امين وهو الاسم المستعار للحلاق، فعرفه فورا وفكر بطريقة تقربه منه فدعاهما الى تناول فنجان قهوة في منزله ووافقا. 

استعد رمزي نهرا للضيافة جيدا وكلف ابن بنت عمه المدعو فادي كوزال بالوقوف في مكان خفي في الطبقة الثانية من منزله، وحمله كاميرا فيديو لكي يصور الضيفين من دون ان يشعرا به، وبالفعل حضر أبو عريضة ومرافقه رمزي عكرة والحلاق والتقطت لهم الصور مع صاحب المنزل خلسة. 

وبعد يومين او ثلاثة دعاهما ثانية الى تمضية السهرة في منزله فقبلا. وقبل وصولهما دس رمزي نهرا آلات تصوير في الغرفة وآلات تسجيل في جنبات “الصوفيات” لكي يسجل الحديث المتوقع تناوله بينهم. وحضر أبو عريضة والحلاق واسترسلا في شرب “الويسكي” والمشروبات الروحية و”المقلب” أيضا. وبعد رحيلهما جمع نهرا معلوماته وشريط الفيديو والاحاديث وأرسلها بطريقة ما الى بيروت حيث تحققت مديرية المخابرات من ان ميشال امين هو نفسه الحلاق وأعطته الضوء الأخضر للقيام بخطفه. 

استدعى رمزي صديقه وعديله لاحقا بسام جرجس الحاصباني عند الساعة الثالثة من فجر يوم عيد الفطر بتاريخ 20 شباط (فبراير) من العام 1996، وأبلغه بضرورة الاتصال بصلة الوصل بالمخابرات اللبنانية عبد الله همدر، وحثه على نسيان قضية خطف الحلاق وذلك من اجل إبعاد الشبهات. 

ثم وضع رمزي بالاشتراك مع شقيقه مفيد وصديقه ماهر سليم توما على مدى ثلاث ساعات متواصلة، أي من الساعة الثالثة حتى الساعة السادسة فجرا، خطة محكمة للانقضاض على الحلاق، وعند الصباح استعار رمزي سيارة من نوع “مرسيدس” صفراء اللون تخص صديقه غطاس طانيوس ابو سمرا لكونها تشبه سيارة العميل ابو عريضة، سواء من حيث اللون او من حيث الشكل والطراز وذلك للتمويه، واستقلها مع ماهر توما وتوجها بها الى منزل الحلاق في بلدة القليعة التي كانت شبه خالية من المارة، مع ان العيد هو للمسلمين، وصودف ايضا آنذاك ان أبا عريضة كان يستريح في منزله من عناء السهر على الحلاق ويغط في نوم عميق. وصلا إليه، سلما عليه وسأله رمزي عما اذا كان مستعدا لرؤية شقيقه مفيد نهرا الذي سبق للحلاق ان ابدى رغبة في التعرف إليه عن قرب ولم يتردد في الاستفادة من هذه الفرصة السعيدة، فارتدى ثيابه ونسق هندامه وتزنر بمسدسه وتسلح بممشطين إضافيين باعتبار ان الاحتياطات لازمة وضرورية حتى في لحظات السعادة، وهذا ما يدل على ان الحلاق نفسه الغارق في الولاء للاسرائيليين لم يكن مقتنعا بالحماية المفروضة منهم عليه. 

التفت الحلاق بكثير من الحذر الى رمزي المتربص به، والذي فهم مغزى هذه النظرات المشرعة على اليقظة، فناوله مسدسه الخاص لكي يزيد من جرعات الاطمئنان لديه فرفض أن يأخذه، لكن هذه المبادرة كانت كفيلة بالإجهاز على مخاوف الحلاق الذي تنفس الصعداء وركب في السيارة معهما وتوجهوا الى الكمين المصطنع. 

خلال الطريق تبادل الثلاثة أطراف الحديث الأخير. كان الحلاق جديا في كلامه اكثر من المعتاد وأكثر من المنتظر، كان شارد الذهن يستخرج من تجاربه المديدة في بساتين الحياة المثمرة والوعرة، بوحا ناضجا ينم عن خبرة كهل عركته الأيام والسنون. قال لرمزي: “بدي علمك مثل.. وين ما بتأمن خاف”، فرد الأخير مسبغا عليه مسحات من الاطمئنان: “إبل السقي بيحميها النروجيين، وما فيها مقاومة ولا ينشغل بالك، وكمان مسدسك معك، وهيدا مسدسي بدك ياه خدو. وعلى حاجز القوات النروجية رح نعطيك بطاقة هوية لإبرازها للعناصر حتى نقدر نمرق”. 

وهكذا كان فعبروا الحاجز بشكل طبيعي وسلام، ومن المعروف ان القوات النروجية الموجودة آنذاك في بلدة إبل السقي لم تكن تدقق في هويات العابرين، فمجرد التلويح بها يكفي لسلوك الطريق. 

لم يكن الحلاق في يوم سعده عندما كان رمزي نهرا يحبك خيطان شباكه جيدا. فمن سوء حظه ان الطريق بين القليعة وإبل السقي كانت خالية تماما من السيارات والمواطنين وهذا ما زاد من وتيرة نجاح عملية الخطف. 

وصل الثلاثة الى منزل رمزي حيث الكمين منصوب، ركنت السيارة في المرأب وصعدوا الدرج الخلفي، وأقفل رمزي النوافذ والستائر وصب أكوابا من “الويسكي” للحلاق الذي جاراه ماهر توما في الشرب ليؤنسه ودار حديث عام فقال الحلاق: “كنت مبارح في زيارة لعقل هاشم وأطلقت النار من المسدس وبدي نظفو”. 

لبى ماهر الطلب المستعجل، اخذ المسدس منه نظفه وأعاده إليه وفي هذه الاثناء كان الفريق الآخر المؤلف من مفيد نهرا وغطاس ابو سمرا وفادي كوزال يتفحصون الطرقات ذهابا وإيابا خشية ان تكون ثمة حواجز امنية لميليشيا لحد منتشرة في المنطقة فتعيق الخطة وتؤجلها، تحققوا من خلوها وعاد مفيد الى المنزل سرا ليأخذ مكانه المتفق عليه. 

الامور تسير على احسن ما يرام ولم يعد ينقص سوى رنين ساعة الصفر. 

كانت عقارب الساعة تشير الى الرابعة والثلث عصرا، ولم يعد يفصل عن إقفال معبر باتر جزين عند الساعة الخامسة سوى اربعين دقيقة بالتمام. 

دخل ماهر توما الى المطبخ المجاور بحجة إحضار بعض المتاع، وأشار على مفيد نهرا بتجهيز نفسه للسيطرة على الحلاق، وضع في جيبه أصفادا وعاد الى مكانه ليجلس الى يسار الحلاق المطوق من ناحية اليمين برمزي نهرا، وما هي إلا لحظات حتى دخل عليهم مفيد شاهرا رشاشا من نوع “أنيغرم” مع كاتم للصوت، وصوبه نحو الحلاق صارخا بوجهه “ولا حركة احمد الحلاق نحن حزب الله والبيت مطوق”. 

حاول الحلاق ان يستدرك الموقف، خصوصا انه غير معتاد على الاستسلام بسهولة فعاجله ماهر بضربة قوية بعقب مسدسه على رأسه، فشجّه حتى تغسل بالدماء، استنجد الحلاق برمزي، وصرخ به ليدافع عنه غير ان أصفاد رمزي كبلت اليد الأخرى للحلاق وقال له: “مش رح دافع عنك”، فأجاب الحلاق مستغربا من دون ان تخور قواه: “ليش إنت مش مع المخابرات الاسرائيلية؟” فقال له: “لأ” فرد الحلاق غاضبا ومتحديا: “إذا إنتو زلام فلتوني”. 

أسكتوه وسحبوه الى غرفة مجاورة وضمدوا جروحه، وعصبوا عينيه بلاصق خصوصي وقيدوه وأعطوه أربع إبر “فاليوم” لم تعط المفعول المرتجى، فأوثقوه جيدا خشية ان يفلت منهم وألصقوا فمه لئلا يصدر أي صوت يثير جلبة تفضح الخطة ووضعوه في صندوق سيارة من نوع “مرسيدس 230” بيضاء اللون، وتولى مفيد قيادتها وجلس ماهر الى جانبه، فيما واكبهم رمزي وفادي كوزال في سيارة اخرى من نوع “ب ام ف” وانطلقوا نحو المعبر الاخير في جزين. 

خلال مرور السيارتين بالقرب من ثكنة الريحان التقتا بدورية اسرائيلية كانت تمشط الطريق. توقفت السيارتان جانبا، تحدث رمزي مع الجنود الاسرائيليين بلغتهم الأم العبرية، ورفع لهم لوحة تعريف تحمل كلمات عبرية أيضا كان “جيش الدفاع الاسرائيلي” يزوّد السيارات المدنية بها وقال لهم: “شاباك” وأفسحوا الطريق لتعبر السيارتان فيما الحلاق يئن في عتمة الصندوق. 

عند مدخل مدينة جزين أنيطت قيادة سيارة “المرسيدس” بفادي كوزال وصعد ماهر ومفيد مع رمزي في السيارة الاخرى، وسبقوه الى المعبر لتسهيل مروره. وصلوا عند الساعة الخامسة إلا خمس دقائق الى المعبر الذي كان بحراسة ثلاثة عناصر من ميليشيا لحد يتأهبون لإقفاله “رسميا” أطلت سيارة “المرسيدس”.. دقيقة واحدة ويغلق المعبر. رمزي ورفيقاه يغرقون في حديث مطول مع “اللحديين” الثلاثة يستدرجونهم الى نسيان الوقت. تمر السيارة بأمان ويظل الحديث المشوق دائرا بين هؤلاء ولم ينقطع إلا بعدما غابت السيارة عن الأنظار بحيث أصبح الحلاق في أيدٍ أمينة.. صار لدى القضاء. 

    لم تنته فصول العملية بعد. 

يتوقف رمزي لحظة واحدة، يبلع ريقه ويتابع: “عدنا الى المنزل لتنظيف الارض من بقع الدماء وحضر بسام الحاصباني وسليم سلامة الى هناك حيث أخبرناهما بنجاح خطة خطف الحلاق”. 

تحركت “الماكينة” الاستخباراتية الاسرائيلية للعثور على الحلاق فلم تفلح، مديرية المخابرات في الجيش اللبناني تعلن من بيروت انتصارها. وبعد ست وثلاثين ساعة يطرق العميل ابو عريضة منزل رمزي نهرا ويستدعيه على عجل للقاء المخابرات الاسرائيلية والمثول أمامها. لا مجال هنا للفرار. قاده الى مستعمرة “المطلة” حقق معه وتوصل الاسرائيليون الى الاعتذار منه في بادئ الأمر. 

كان مفيد نهرا وفادي كوزال الذي عاد في اليوم الثاني الى منطقة “الشريط المحتل” يختبئان في بيوت ابل السقي، وبعد ثلاثة ايام من “السجن الافرادي” تمكنا من التسلل الى المنطقة المحررة والنجاة.


 

 

25 May 2000 - 2001

 
 

 

 

Home - English Contact Us Discussion Board Guestbook Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic