في مثل هذا النهـار
خواطر جنوبي عاد إلى نصفه الآخر


السفير (الخميس، 24 أيـار 2001)

واصـف عـواضة

Assafir - Israeli Invasion 1978

اتصل بي والدي في السادسة صباحا، وقال لي بصوت مفعم بالفرح: "الطريق الى الناقورة اصبحت سالكة وآمنة، وتستطيع المجيء ساعة تريد، من دون حواجز ولا من يحتجزون... الكل بانتظارك...".

واحسست عبر الهاتف ان العبرة اختنقت في حنجرة الوالد السبعيني، وهو يدعو وحيده للعودة الى الضيعة، بعد اثنين وعشرين عاما من الغياب.

كنت قد نهضت باكراً صبيحة ذلك النهار، وقبعت أمام التلفزيون وجهاز الراديو، لعلي أتنسّم خبراً عبر الاثير، يؤكد ما كنت قد غفوت عليه بعد منتصف الليل، من ان حالة الانهيار تتوالى في صفوف ميليشيا لحد، بعد انسحاب كامل للقوات الاسرائيلية من جنوب لبنان.

لكن نشرات الاخبار لم تكن قد قامت من سباتها، فكان الهاتف الخلوي، خير رفيق في تلك الصبيحة، وكان اجمل اتصال تلقيته في حياتي، ومنذ ذلك الحين وأنا اعشق الهاتف الخلوي.

لم اعد اذكر كيف رتبت هندامي... هل غسلت وجهي؟ هل حلقت ذقني؟ هل نظفت اسناني؟ نعم اذكر انني فعلت كل هذا في بيتنا في الناقورة.

هناك شيء واحد لم يفتني في ذلك الصباح وأنا أغادر منزلي في خلدة، هو الاتصال بالتلفزيون، حيث الغريزة المهنية دفعتني الى ذلك، وكانت الزميلة مذيعة الصباح قد استعدت للنشرة الأولى قبل ساعة من موعدها الاساسي، ورحت ازف إليها الخبر عبر الاثير... كما طلبت فريقا من المصورين مع احدى الزميلات لموافاتي الى الناقورة، فيما كانت فرق اخرى تنطلق الى مناطق اخرى محررة.

كانت صورة الناقورة وشاطئها البحري، تطغى على مخيلتي طوال الطريق... كل منزل على جانبي الطريق بين خلدة وصور، رأيت فيه بيتنا في الناقورة.. كل تلة كانت احدى تلال البلدة، كل شجرة لاحت اغصانها مع نسيم الصباح رأيت فيها شجرة التوت امام منزلنا... فهي كبرت ونمت في غيابي، وسمعت عنها الكثير من بعيد... حتى زرقة البحر رأيت فيها شاطئ الناقورة، مع ان لا زرقة تشبه زرقة البحر على شاطئ بلدتنا.

Assafir - Israeli Invasion 1982

وأنا اعبر مرتفع البياضة الشهير الذي ينتصب نحو مئتي متر فوق البحر، بدأت دقات قلبي تتزايد شيئا فشيئا... اخيراً اطللت على الناقورة، وانكشف امامي بحرها الهادئ، بعكس ذلك الصخب الذي كان يعتمل في داخلي.

كانت الشمس قد بدأت تلقي بخيوطها الذهبية على صفحة الماء. كان استقبالا من نور، انعكس على حدقة العين، فانهملت الدموع شلالاً حاراً لم تتساقط حباته من قبل بمثل هذه الحرارة. بكيت كما لم ابك من قبل، وعرفت يومها فقط ان مسقط رأسك هو نصف الوطن، حيث مرابع الطفولة، فكيف لمن امضى نصف عمره تماما خارج هذا النصف الحميم؟

ليس من السهل تصوير كل تلك المشاعر الدافئة في تلك الصبيحة، او تحويلها حبرا على ورق...
 كان والدي يروي لي دائما كيف خرج الفلسطينيون عام 1948 من البلدات والقرى القريبة من الحدود مع لبنان، باتجاه الناقورة، وهم يحملون مفاتيح منازلهم، على امل العودة القريبة، بعد ان يستعيد "جيش الانقاذ العربي" بلدات فلسطين ومدنها من المحتلين اليهود، ومضى اثنان وخمسون عاما، ولم يعد في حوزتهم من فلسطين سوى المفاتيح... ويوم خرجنا من ديارنا عام 1978، كانت هذه الصورة ماثلة في اذهاننا، لم نشعر فعلا بجرح الفلسطينيين ونكبتهم مثلما شعرنا في ذلك اليوم من آذار العام 1978، وتوالت الايام والسنون، وكان الشاعر الكبير محمود درويش يقرع دائما فوق جرحنا المشترك، في رائعته الشعرية التي غناها الفنان مارسيل خليفة:

     أحن الى خبز امي
     وقهوة امي
     وتكبر فيّ الطفولة
     يوماً على صدر يوم
     وأعشق عمري لأني
     إذا مت اخجل
     من دمع امي

... كانت اطال الله في عمرها تقول لي كلما تسنى لنا اللقاء كل عدة اشهر خارج الناقورة: "امنيتي الوحيدة قبل ان اموت، هي ان اجلس معك تحت شجرة التوت امام بيتنا في الناقورة".

وكنت فعلا احن الى خبزها (المرقوق) وقهوتها (التركية) تحت شجرة التوت امام بيتنا... وكنت ايضا اعشق عمري خجلا من دموعها، وكنت ايضا وايضا اخشى ان يختارها الباري الى جواره قبل ان تتحقق امنيتها، ولطالما رسمت سيناريوهات عدة لعودتي الى الناقورة، كان اكثرها سوداوية، ان اتوجه مباشرة الى المقبرة (اطال الله في عمرها) بدل شجرة التوت.

لكن الصورة كانت اكثر بياضا في ذلك اليوم مما توهمت، وكان بيتنا محطتي الاولى، وكانت قد أعدت العدة "تحت التوتة"، الخبز والقهوة والماء ايضا، وكل شقيقاتي وأولادهن الذين كبروا في غيابي... وهبّت تستقبلني، أنا ابنها الوحيد الغائب قسرا بعد طول انتظار، تارة بالاهازيج والزغاريد، وطوراً بالتمايل حول جسدها النحيل، لقد تحققت امنيتها، تماما كما تحققت امنيات آلاف الامهات في ذلك النهار.

كانت الكاميرا تدور حولنا، ترصد مشاعرنا، تستعير من فرحتنا، وخلتني في تلك اللحظة، ناطقا بلسان الآلاف من ابناء جيلي الذين عشقوا اعمارهم خجلا من دموع امهاتهم، فجلست محاطا بها وبالوالد الحبيب، وتحدثت امام الكاميرا التي عشت معها سبعة عشر عاما، كما لم اتحدث من قبل، وطارت الصورة الى لبنان والعالم، وتركت اثراً بالغا... ألم اكن اتحدث بلسان آلاف العائدين الى امهاتهم في ذلك النهار؟.

= = = = = = 

في حديقة منزلنا الواسعة، اكتشفت عائلة جديدة، رباها والدي "كل شبر بنذر".. اشقاء وشقيقات جدد.. بستان اخضر من اشجار الليمون والحامض والرمان والاكيدنيا والقشطة والموز والزيتون، وشجرة تفاح واحدة لا اعرف لماذا أصر والدي على زراعتها، مع انه يعرف جيدا ان التفاح لا يعمر ولا يثمر في تربتنا الساحلية. لعله اراد، من دون ان يدري، ان يتحدى بساتين التفاح المنتشرة على المقلب الاخر من الحدود، وفق اساليب الزراعة الحديثة. وكان يمكن لهذه التفاحة ان تؤتي اكلها بقليل من العناية، ولكن، لعله آثر ألا يتعلم منهم شيئا.

جلت بين افراد هذه الاسرة الجديدة بفرح يساوي سعادتي بالتحرير... وما زلت حتى اليوم، اجول بينها، اتفقدها واحدة واحدة، على الرغم من انها الذكرى الوحيدة الجميلة الباقية من زمن الاحتلال، لكنها كانت اوسع كثيرا من ذاكرتي، ومن مخيلتي.

= = = = = = 

Assafir - Liberation 25 May 2000

في شوارع البلدة كانت الصور المتناقضة تكشف عن نفسها مع ارتفاع شمس النهار، ويمتزج معها الانتصار بالهزيمة... انتصار الناس وهزيمة الاحتلال... دبابات وآليات منتشرة في الطرق، لم يسمح الانهيار السريع بنقلها وإعادتها من حيث أتت، وقد حولها الاطفال الى مرتع لهم، على الرغم من خطورة الموقف، وهي محملة بشتى انواع الذخائر والمتفجرات.

في ساحة الضيعة، كانت فرحة الانتصار اكبر من ان توصف، وكنت حريصا على مشاركة الناس هذه الفرحة، صافحت العشرات، وقبلني العشرات من الشبان والصبايا الذين لا اعرفهم.. اثنان وعشرون عاما كانت كافية ليكبر الصغار، ويغيب الكبار، ويولد جيل جديد، هو ليس في غربة عنا فقط، بل هو في غربة عن الوطن. وعلى الرغم من حرارة الموقف كان السؤال الكبير يستوقفني في تلك اللحظة، كيف نعيد هؤلاء من غربتهم الى الوطن؟ ولا اعرف بعد سنة على التحرير، ماذا فعلنا لاستعادة هؤلاء.

سنة مضت على ذلك النهار، اصبحت الناقورة مشرعة الابواب لكل زائر، عشرات المرات ذهبت إليها، لم اشعر بمثل هذا الاطمئنان في الذهاب والعودة منها احيانا عند منتصف الليل، ومع ذلك ما زلت اشعر بنوع من الغربة كلما زرتها، فليس سهلا ان تمضي نصف عمرك بعيداً عن مكان ما، فكيف اذا كان هذا المكان هو بيتك وبلدتك... ولا اعرف اذا كانت الناقورة الآن هي نصف الوطن بالنسبة لي... هي بالتأكيد جزء من هذا الوطن، وهي جزء من حياتي ومن عمري، لكنها ليست نصف الوطن كما كانت في ذلك النهار الذي كان نهاراً آخر.


 

 

25 May 2000 - 2001

 
 

 

 

Home - English Contact Us Discussion Board Guestbook Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic