"المشهد الدرامي" في المنطقة المحررة بعد سنة كاملة
وعود بالجملة.. والدولة لم تستفق بعد من "وهج التحرير"


السفير (الخميس، 24 أيـار 2001)

كـامل جـابر

تسدل الذكرى عامها الأول على الحرية المستعادة بخضيب الدم والصمود، مفعما كان بمواقف وجولات وصولات، عنوانها الدائم، زيارات غير منقطعة الى المعتقل المأساة، في الخيام، حيث قبلة الحجيج نحو قداسة المبتغى. وهي أتت من كل حذب وصوب، عربية ومناطقية لبنانية لتلامس الحدث من قلبه وعمقه. وللمشاركة بعظمة الفعل والنصر، فتعفرت بالتربة المطهرة من رجس المحتل المعتدي والمغتصب، وباركت بالتالي لأبناء القرى المحررة استرجاع هويتها اللبنانية الاصيلة مجددا بعد ربع قرن خيمتها المعاناة.

هي الذكرى بفرحها وناسها تطل من جديد، بمسيراتها وتظاهراتها وحجارتها المصيبة في كل مرة أسلاك العدو الفاصلة خلف الخط الأزرق بين الجنوب المحرر وفلسطين المحتلة وأطراف الجولان، ملوحة بالوعد نحو مزارع شبعا، فيما لم توفر حجارة أطفال الحرية جنود العدو المكتومين في غيظ اندحارهم وهزيمتهم أمام الموج الشعبي الذي تدفق عشية التحرير مستعيدا الحرية، مطوّبا النصر.

وما أشبه اليوم بأمس، عام مر كأنه البارحة، والغائصون في نصرهم من أبناء القرى، الصامدون والعائدون، استفاقوا قبل تراخي أجفانهم على صدمة المجهول، قبل ان يستقروا في قعر المطولات من الخطب الرنانة كالقصائد الغنائية، والوعود الطنانة المنبعثة من شموخ أصوات المسؤولين في السلطة اللبنانية، عندما فردت طلّها كالسيل على أحلام العائدين الى حضن الوطن. وبعد الصحوة كانت الصدمة، فلا البناء ارتفع، ولا المياه روت ظمأ المتعطشين للمياه الحرة، ولا الطبابة حلت بديلا من العقاقير العبرية، والواو تمتد الى كل المسائل التي تصب في تفاصيل الحياة اليومية، فإذا بهم كالمستجير بالنار من الرمضاء، على سوء القياس والتشبيه و<<بعده>>، يتقوقعون على جوعهم المستغرب، وانعدام فرص العمل والانتاج وقتامة الصورة، وغياب مصادر العيش الكريم، العيش الذي تطلعوا إليه <<للأسف>> وطنيا بعيدا عن نكهة العدو.

لم يبدأ أبناء القرى المحررة فتح ملفات مطالبهم أمام الدولة حين كانت لم تستفق بعد من وهج التحرير الذي أربكها، لا لجهل مركب عندهم أو متراكم، بل غايته منحها الفرصة المناسبة والمواتية لتحديد أولوياتها وتفنيد واجباتها، وإذا بهم يعبر الشهر تلو الشهر، والفصل بعد الفصل، فلا المياه سارت في مجاريها الطبيعية وبشبكات مدروسة ومنظمة، ولا المراكز الصحية شرعت أبوابها امام الباحثين عن نعمة الصحة والعلاج والدواء، ولا التعويضات خطت دربها نحو مستحقيها، جميع مستحقيها. وظلت الطرق الى هذه القرى معدومة <<العافية>> والإسفلت، متقهقرة أمام ويل الترقيع.

 والحمد ثم الحمد للخلوي الذي غطى الغياب غير المبرر لهاتف الدولة.

وتبقى بعض القرى المحررة الى الامس القريب تحمل عار استخدام المياه الاسرائيلية من <<عيارات وقساطل>> إسرائيلية بامتياز، فما يغرق مستشفى مرجعيون الحكومي في لعبة التجاذبات السياسية وأحلام السيطرة وكأنه <<غار علي بابا>>. ويتلوى أطفال القرى المحررة تحت وجع الأمراض الجلدية والهضمية بسبب سوء المياه المستخدمة وانعدام العلاج، وتعلو صرخة ذويهم في بنت جبيل وعيترون وكفرشوبا وغيرها من عطشها للمياه، فيما يضطر أبناء رشاف وحانين وجاراتها الى قطع الطريق استنكارا لغياب التعويضات و<<سوء إدارتها>>، وبالمقابل غابت الرعاية ومشروعات الدول المانحة وبدأت مرافق الحياة تتعطل الواحدة تلو الأخرى، وكذلك المصالح والمهن وصولاً الى المحال التجارية والدكاكين الصغيرة، ناهيك عن كساد المواسم وغياب الرعاية الزراعية.

 كل ذلك والدولة غائبة او <<نائمة>>، أو شبه غائبة! بحسب النعوت التي بات يرددها أبناء القرى المحررة ويحفظونها <<عن ظهر قلب>>.

اجتماع بنت جبيل
بعد أحد عشر شهرا من التحرير، وعشية الذكرى السنوية الأولى، عقد اجتماع في قائمقامية بنت جبيل غايته وضع حلول لمشكلة المياه المتفاقمة منذ ما بعد التحرير وخصوصا في مدينة بنت جبيل وجاراتها التي تشكل تجمعا سكانيا كثيفا، فيما ظلت بعض القرى المسيحية القريبة تشرب لأشهر متعاقبة من المياه الاسرائيلية. وفي خضم النقاش كادت تضيع المسؤوليات ومن يجب أن يتحملها، ففي حين طرحت مصلحتا مياه صور وجبل عامل وضع مصادر المياه التي تتبع لمسؤوليتها، بدا واضحا تركيز مندوب مجلس الجنوب على محطة التوزيع في بلدة صديقين (المنقذ الوحيد) التي تغذيها مياه برك رأس العين، ومدى كفاية هذه المياه للمنطقة، فيما لو فصلت الخزانات عن كفرا واستعيض لها من بئرها الارتوازية، وجرى توسيع خزان صف الهوا (في أعلى بنت جبيل) من سعة 500 متر مكعب إلى ألف متر مكعب، وغذيت عيناتا وعيترون من آبارها الجوفية، وأصلحت بعض الشبكات هنا وهناك، (هذه الحلول تطرح بعد عام من التحرير!)، في حين طلب ممثل مجلس الانماء والإعمار مهلة شهر حتى ينجز قسما من مشروعه (مجلس الانماء) في مد خط جديد من برك رأس العين الى المنطقة والذي كان قد بدأ منذ نحو سنة، ويحتاج بحسب المصادر والدراسة الى عامين كاملين حتى ينتهي التنفيذ، كحل مؤقت يحتاج الى وصلات هنا وهناك وضبط الشبكة في هذه القرية وتلك، وتوقف المتعهدين عن قطع الأنابيب والقساطل الكبيرة خلال حفرياتهم، مع تغذية قسم من المنطقة من مياه مشروع الطيبة، وبرج الخوخ وغيرها، وبذلك يمكن تأمين الحد الأدنى من عدم انقطاع المياه عن بنت جبيل والجوار.

صوت ارتفع من بين المجتمعين أوضح أن المياه وإن وصلت الى بنت جبيل سوف تضيع في الطرقات والحقول بسبب اهتراء الشبكة وتلفها!.

بلدة عيترون المكتظة بسكانها من الأغلبية الزراعية يشكو أهلها من عطش مستمر وشوق بالغ لمياه المصالح اللبنانية، ولفتوا الى ان ما جمعوه من أمطار يتيمة هذا العام بدأ ينفد من آبارهم البيتية، وبحسب مصادر مطلعة ومعنية في موضوع المياه، هناك وصلة بين بليدا وعيترون تبلغ أربعة كيلومترات، يمكن ان تغذي البلدة وتسد حاجتها حاليا، من نبع الخوخ قرب مرجعيون، وهي لا تحتاج إلا الى قرار او نية مجلس ما، في الدولة، لتصبح سارية المفعول.

ويؤكد مطلعون ان قسما من أبناء رميش (بنت جبيل) لا يزال يشرب من المياه الاسرائيلية حتى عشية الذكرى، ومنها في بعض المراكز الأمنية اللبنانية. وفي المقابل يؤكد رئيس مجلس الجنوب قبلان قبلان ان المجلس حفر بئرا في رميش وجهزها وأمن لها جميع مستلزماتها <<من فترة طويلة>> وقد شكره ابناء البلدة على هذا الإنجاز، <<وبعد عدة أشهر أفاجأ بمشكلة في البئر وبكمية المياه لم أراجع بها مسبقا، قمنا فورا بنقل المعدات من بئر الى أخرى ونفذنا <<وصلة>> الى الخزان وبدأنا ضخ المياه التي تكفي البلدة، وكنت مستعدا لأكثر من ذلك لو احتاج الامر، وأبلغت المراجع المعنية بذلك. نحن في المجلس قمنا بما علينا، ولست صاحب القرار بقطع المياه التي تأتي من غير مكان أو مصدر حتى لو كانت اسرائيلية>>!

أما الوزاني، فقد نعمت بمشروع مستعجل نفذه مجلس الجنوب (من دون ان اي دراسات، ومن دون مشروع فعلي)! كانت نتيجته وصول مياه غير مكررة من مضختين تعملان <<بالهاوس>> مهددتين بالتوقف و<<الاحتراق>> في أي وقت الى خزان يحمل علامات استفهام حول وجوده هناك ولا يرتبط إلا بالفضاء المحيط، ثم تمت وصلات من هنا وهناك الى الوزاني البلدة فقط، بعيدة عن شبكة أساسية مؤهلة ومنظمة، والمياه الواصلة حاليا لا تصلح إلا للاستخدام المنزلي. وتشير مصادر مطلعة الى انه كان بالإمكان استغلال دراسة متخصصة، عميقة وجدية في تنفيذ مشروع أشمل يغني منطقة مرجعيون وصولا الى بنت جبيل، من خلال محطة ضخ وتكرير مؤهلة وشبكة تأخذ في عين الاعتبار مستقبل المنطقة القريبة من سهل زراعي خصب، تراعي في الوقت عينه حصة لبنان من هذه المياه، وتكون بالحدى الأدنى على قدر الضجة التي أثارتها إسرائيل لمنع لبنان من استخدام حقه في هذه المياه.

أما وضع مياه مشروع الطيبة الذي يتغذى من مياه الليطاني، فهو يتكل على مضخة سيئة الحال، بفعل ما تعرضت له سابقا من اعتداءات اسرائيلية منظمة ومتكررة، وعمرها تجاوز 35 عاما ولا قدرة لها على إيصال الحصة الفعلية الى المشروع، والتي يمكنها فيما لو استبدلت بواحدة جديدة وكبيرة، ان تحل مشكلة المياه، ليس في الجوار فحسب، بل في قضاءي بنت جبيل ومرجعيون (تصبح قادرة على ضخ نحو 25 ألف متر مكعب في اليوم).

ويعيش أبناء كفرشوبا الأقرب الى مزارع شبعا، والتي تعاني في الوقت عينه من تمركز جيش العدو الاسرائيلي في قسم كبير من أراضيها المرتفعة، في حاجة يومية الى مياه الشفة التي تصلهم حاليا مقننة من شبعا البلدة، في خطوط رئيسية لا تفي بالحاجة الضرورية، وشبكة داخلية باتت شبه تالفة، ولم تجد محاولات مجلس الجنوب في إيصال المياه إليها نظرا لارتفاعها الشاهق (950 مترا عن سطح البحر) ولا وجود لمخزون مائي فيها. وهم يأملون ان تقوم مؤسسة <<مرسي كور>> بتنفيذ مشروع بديل مصدره شبعا، ويمر من الهبارية جارة البلدتين، أو بمشروع يمدها بمياه جارتها حلتا.

ووضع المياه في كفرشوبا ليس أفضل حالا من الخيام وجاراتها ومن مختلف قرى أقضية حاصبيا ومرجعيون وبنت جبيل، فلكل بلدة معاناتها وعدم كفايتها من هذا المصير المعيشي الأهم، خصوصا ان مجمل أبناء هذه القرى يعتاشون من الزراعة كمصدر اساسي (وبديل حاليا عن العمل في فلسطين المحتلة) لمعيشتهم ولحياة مختلف فئات القاطنين هذه القرى، حتى من موظفين ومعلمين ومهندسين، و<<السبحة>> طويلة إن كرت.

أما في المشاريع المائية الكبرى التي وعد بها أبناء هذه القرى، فعلى الرغم من الزيارات المتكررة لأكثر من وفد عالمي وعربي وإسلامي، غابت على طول أشهر العام التحريري المنصرم، أي من المشاريع المائية التي طرحت، والتي ترتبط بالتالي بمشروعات زراعية يمكن ان تعزز تشبث القاطنين في القرى الحدودية بأرضهم وبحقوقهم وزراعاتهم.

الوضع الصحي
من وعود الحكومة غداة التحرير وقبل انتهاء شهر أيار: دعم نحو 90 مستوصفا ومركزا صحيا في المنطقة، وتسليم إدارة مستشفيي مرجعيون وبنت جبيل الى الصليب الاحمر اللبناني لمدة ثلاثة اشهر ريثما تجهز وزارة الصحة العنصر البشري لتسلم إدارتهما مجددا!

ظل مستشفى مرجعيون الحكومي، إلى الأمس القريب، يتخبط في مخاض الاستمرار بعدما تعرض لتجاذبات الالغاء تارة، والمصادرة تارة اخرى، وبعدما تخلّت وزارة الصحة العامة عن سابق إصرار وتصميم عن رعايتها المباشرة له، فتركته في مهب الريح و<<الوصاية>> الخارجية. واضطر القيمون على إدارته وتشغيله الى إقفال أبوابه مرة تلو مرة تحت عناوين متعددة، تتعلق بنفاد الادوية والمحروقات والرواتب ومصير الموظفين وغياب الصيانة وغيرها، امام المرضى والمحتاجين الى الرعاية الطبية، وهو الوحيد المؤهل في هذه المنطقة الشاسعة والجبلية للقيام بمهمات طبية متطورة نظرا لتجهيزاته الحديثة ولاتساع أقسامه وتنوعها، بعدما تركته <<الإدارة المدنية>> ومن خلفها جيش العدو (لشديد الأسف) في حال أقرب الى الجيدة، ومستودعاته تزخر بأنواع الأدوية <<الاسرائيلية>> التي ظلت تستخدم حتى فترة طويلة.

رحلة مأساة المستشفى بدأت بعد التحرير بأسابيع قليلة، وتوزعت بين النقص في المعدات الطبية والأدوية تارة (مع بدء نفاد الكميات الكبيرة من الأدوية الاسرائيلية التي تركتها في مخازنه ومستودعاته) وتعطل أجهزة الاشعة وبعض آلات المختبر ونفاد مادة الاوكسجين من غرفة العمليات تارة اخرى، الى ان تسلمت وزارة الصحة العامة بتاريخ 17/7/2000 المستشفى من حركة <<أمل>> التي كانت قد سيطرت عليه في أعقاب التحرير، بناء على قرار من وزير الصحة العامة في حينه الدكتور كرم كرم القاضي بتأليف لجنة لإدارة المستشفى تتكون من متروبوليت صيدا وصور ومرجعيون المطران الياس كفوري ومدير المستشفى الدكتور خير الله ماضي ورئيس مصلحة الصحة في النبطية الدكتور عبد الأمير شعبان وطبيب القضاء الدكتور انطوان فرهود والدكتور جواد ياسين (عن جمعية الرسالة للاسعاف الصحي التابعة لحركة أمل).

وفي 19/7/2000، تسلم رئيس المستشفى الدكتور خير الله ماضي ثمانية أطنان من الأدوية والمعدات الطبية من وزارة الصحة العامة ومنظمة اليونسيف.

وفي تاريخ 25/7/2000، أفرغت في المستشفى حمولة تسع شاحنات تزن مئة طن من الأدوية والمعدات واللقاحات والأمصال والحليب، مقدمة من الرئيس السوري الدكتور بشار الاسد <<من أجل إنماء المناطق المحررة>>. ثم جرى نقل المواد الهبة الى مستوصف الخيام لتوزع لاحقا على جميع مستشفيات ومستوصفات الجنوب، ونال مستشفى مرجعيون حصة عادية مثل غيره.

في 8/11/2000، دفعت اللجنة الدولية للصليب الاحمر رواتب 127 موظفا كانت <<إدارة الشؤون المدنية>> قد عينتهم، وأبلغت 22 منهم قرار وزارة الصحة العامة الاستغناء عن خدماتهم للتخفيف من أعباء المستشفى بعدما بدأت حاله تتراجع وخفت الأمصال والأدوية وباتت بعض الأقسام مهددة بالتوقف، وظلت اللجنة الدولية تدفع رواتب الباقين حتى نهاية العام 2000.

في 1/2/2001 نفذ الموظفون في مستشفى مرجعيون الحكومي والذين كانت <<الإدارة المدنية>> قد وظفتهم إبان الاحتلال الاسرائيلي للمنطقة، اعتصاما في باحة المستشفى توقفوا خلاله عن العمل وعزوا ذلك الى توقف وزارة الصحة العامة عن دفع رواتبهم منذ أربعة أشهر.

في 3/2/2000، بدأ نحو 105 من الموظفين، معظمهم من المعنيين من قبل <<إدارة الشؤون المدنية>> بالاضراب، الامر الذي ادى الى تراجع خدمات عدد من الأقسام وتفاقم وضع النظافة والطعام، وكان من بين المضربين أطباء اختصاصيون يضاف إليهم عدد من الحراس المعينين من قبل حركة أمل بعد التحرير وهم لم يتقاضوا اي راتب.

في 5/2/2001، فتح المستشفى أبوابه كالمعتاد واستقبل الى المرضى في الطوارئ وأقسامه المختلفة، كمية 19 ألف ليتر من مادة المازوت التي كانت قد نفدت منه، مرسلة من وزارة الصحة.

 واجتمع رئيس المستشفى الدكتور خير الله ماضي الى الاطباء والعمال المضربين أبلغهم في خلالها قرارات وزارة الصحة العامة بتبني متطلبات المستشفى وبدفع الرواتب المستحقة عن ثلاثة أشهر.

بتاريخ 5/3/2001، أوقف المستشفى خدماته بعد مشاكل متنوعة، وتوقف عن استقبال المرضى بعد إضراب الموظفين وعمال المطبخ والتنظيفات غير الاصليين مجددا بسبب عدم قبض رواتبهم ومستحقاتهم المالية عن شهري كانون الثاني وشباط.

في أواخر آذار المنصرم، يهجر الأطباء والممرضون والموظفون المستشفى وخصوصا في فترة ما بعد الظهر، في خضم الفترة الانتقالية التي يجب ان يتسلم فيها مجلس الإدارة الجديد المعين من قبل مجلس الوزراء مهامه، وينخر السكون أقسامه وغرفه وقاعاته.

وبعيدا عن الغوص في مختلف تفاصيل أوجاع هذا المستشفى التي لا تزال مستمرة الى اليوم، فقد أصدرت الحكومة الاخيرة قرارا سياسيا حكيما عينت بموجبه مجلسا جديدا لإدارته، واستطاع المدير الجديد بفضل سلطات منحها لنفسه من اختصار مجلس الإدارة وتحول الى الآمر والناهي الوحيد، ثم عمل على متابعة قرار <<قانوني>> يقضي باستيفاء رسم اثني عشر ألف ليرة عن كل حالة اولية في قسمي الطوارئ والعيادات، وسلم بعض امور الادارة الى موظفين عينهم من خارج الملاك والموظفين الذين كانت الإدارة المدنية قد عينتهم. ولتفادي <<القال والقيل>> منع وسائل الاعلام من القيام من أي عمل صحافي في داخله من دون استئذانه او الرجوع إليه، وقد تجرأ أحد مرافقيه من غير الموظفين مؤخرا، (في غياب مدير المستشفى) على منع المصورين الصحافيين من التقاط الصور لأحد شهداء الألغام وعلى مرأى من عناصر قوى الأمن الداخلي المولجة حفظ الأمن.

ويقتصر معظم عمل المستشفى حاليا في قسمي الطوارئ والعيادات الخارجية، فيما لم تستعد غرف العمليات نشاطها السابق، زمن الاحتلال. ويضطر أبناء مرجعيون وحاصبيا والجوار للجوء الى مستشفيات النبطية وصيدا كحل منقذ بعدما غاب البديل في مستشفاهم المعهود.

مستشفى بنت جبيل
في يوم التحرير اقتحم حزب الله مستشفى <<صف الهوا>> قرب بنت جبيل، في المنطقة التي كانت تعرف أيام الاحتلال ب<<مركز ال17>> وما هي إلا ساعات حتى وضع يده من خلال الهيئة الصحية الاسلامية على المستشفى <<المصغّر>>، ثم راح يستقبل الحالات المرضية في ظروف أكثر من صعبة بعدما أطلق عليه اسم مستشفى <<الشهيد صلاح غندور>> نسبة الى بطل العملية الانتحارية في هذا الموقع، وأملت الهيئة الصحية من خلال سيطرتها على المستشفى و<<الوهج>> الذي تمتع به حزب الله، والد المقاومة الاسلامية، خلال التحرير وفي أعقابه، ان ينال ترضية أمام <<شعبيته>> من خلال هذا الصرح المفتوح على الخدمات. وكما في مرجعيون، كذلك في بنت جبيل، لم تكن الوزارة المعنية على استعداد لإدارة وتشغيل هذا المركز الطبي الوحيد في قضاء بنت جبيل، وتركته تحت وصاية الهيئة الصحية تتحمل تبعاته، وظلت كذلك الى عشية الذكرى السنوية الاولى.

عن تجربة هذا المستشفى، قال مسؤول الهيئة الصحية الاسلامية في الجنوب الحاج مالك حمزة ل<<السفير>>: مستشفى الشهيد صلاح غندور في بنت جبيل بدأ عمله مباشرة بعد التحرير، صحيح ليس بجميع أقسامه إنما استطاع ان يقدم خدمات في معظم الأقسام وأن يلبي حاجة الناس في محيطه. النقص كبير في منطقتي مرجعيون وحاصبيا وقرى صور يبلغ حد الأزمة، ونحن في الهيئة الصحية الاسلامية نحاول ان نغطي بواسطة مستوصف نقال جوال او بعض المراكز الثابتة في عدد من القرى التي نمدها بالأطباء والأدوية، لكن هذا غير كاف ولا يسد ما نسبته 25 في المئة من الحاجة الفعلية، فبعد مرور عام وللأسف المنطقة تعاني ما بدأ منذ التحرير>>.

وأشار حمزة الى ان اكثر الحالات الطبية التي تحتاجها المنطقة المحررة هي العمليات الجراحية، <<والمشكلة هنا كبيرة جدا، فلا مستشفى مرجعىون كان يعمل بشكل طبيعي في قسم العمليات، ولا في مستشفى بنت جبيل كان الأمر كذلك، لكل واحد ظروفه الخاصة، فمستشفى الشهيد صلاح غندور انطلق منذ اليوم الاول بجميع أقسامه من دون عمليات، لأن تشغيل العمليات مكلف جدا، وبالتالي ليس لدينا مصادر تمويل تمكننا من تغطية نفقات هذا القسم، للأسف حاولنا كثيرا مع وزارة الصحة العامة حتى نؤمن تغطية لتشغيل غرفة العمليات، ولم يمش الحال. أما الأقسام الباقية فاضطررنا لتغطيتها من لحمنا الحي بعدما حرمنا الكثير من المراكز في المناطق التي كانت محررة، واضطررنا ان نخفف كثيرا من مصاريفنا في الهيئة الصحية حتى ندعم مستشفى الشهيد صلاح غندور>>.

في مقابل غياب غرف العمليات بين مستشفيي مرجعيون وبنت جبيل اضطر المواطنون فعلا الى الانتقال الى مستشفيات صيدا وصور والنبطية، ويكفي تكلفة الانتقال الى هذه المدن حتى تختصر معاناة ابناء هذه المنطقة جراء غياب العناية الصحية التي تخلّت عنها الدولة بملء إرادتها.

عن هذه المعاناة يقول حمزة: <<في المدة الاخيرة استوفينا رسوما محدودة على الدخول الى المستشفى في مقابل مجانية الدواء، ووجدنا أزمة كبيرة عند الناس، لا قدرة لهم على دفع مبلغ يراوح بين ألف ليرة وثلاثة آلاف. الكم الكبير من الحاجة الى العمل الجراحي كان يحول الى صور أو صيدا او النبطية، والناس لا تستطيع حتى الوصول الى صور ولو على نفقة وزارة الصحة العامة.

 خلال عام بعد التحرير لم تتحرك الوزارة لدعمنا في نشاطنا داخل المنطقة المحررة. الآن تحرك الوزير سليمان فرنجية وتعاقد مع المستشفى وأعطانا ترخيصا حتى نستطيع فتح غرفة العمليات>>.

مراكز صحية
وتنتشر في حاصبيا والخيام وميس الجبل (الذي بناه مؤخرا مجلس الجنوب وسوف يجهز على نفقة بنك التنمية الكويتي إذا ما صدق الوعد) وشبعا وكفرشوبا وغيرها أبنية المراكز الصحية والمستشفيات المتعددة التي بنيت إما على نفقة البنك الكويتي للتنمية او نفقة مجالس الدولة ومديرياتها، فضلا عن تلك التي بنتها <<الإدارة المدنية>> في فترة الاحتلال، وهي حاليا تنغلق أبوابها على الخواء والهواء وتنتظر مبادرة وزارة الصحة العامة الى تجهيزها وتدشينها، بالطبع بعد تصويب عمل مستشفى مرجعيون.

وبسبب مشكلة المياه وانقطاعها عن عشرات القرى من جهة، وغياب العناية الصحية والرقابة الطبية، انتشرت خلال سنة التحرير المشاكل الصحية وخصوصا عند الأطفال في الاجهزة الهضمية والحساسية والجلد، وتعددت حالات الجرب، وكذلك الطفيليات (قمل وسيبان)، لاسيما في صفوف تلامذة المدارس الابتدائية الرسمية، إذ ظهرت في الخيام وحدها أكثر من 70 إصابة بالطفيليات عولجوا بإشراف مركز الخدمات الانمائية التابع لوزارة الشؤون الاجتماعية في الخيام الذي قدم معاينات في طب الأسنان والطب النسائي والكشف على الطلاب.

وفيما وقفت المؤسسات الاهلية عاجزة عن مواكبة هذه الحاجة الملحة، ظهرت اهتمامات طبية متفرقة ومتواضعة في اكثر من قرية ومحلة للوحدات المختلفة في قوات الطوارئ الدولية ومراكز الخدمات الانمائية التابعة لوزارة الشؤون الاجتماعية في الخيام وعديسة وبنت جبيل وميس الجبل، والتي كانت تحت حاجة المنطقة المحررة تتطلب مزيدا من اهتمام الوزارة ودعمها، ولعدد من الجمعيات الصحية والانسانية: جمعية نور، النجدة الشعبية اللبنانية (في حولا)، مؤسسة عامل (الخيام)، سي آر سي (دبين).

شبكات الطرق
وتبقى الطرق الى المناطق المحررة من مختلف الجهات الجنوبية، تزخر بالحفر و<<التضاريس>> بعدما حاولت الورش المختلفة للوزارة المعنية، سد العجز بالترقيع، وبدل ان <<تكحّلها، عمتها>> ناهيك عما خربته حركة الشاحنات المليئة أطنانا مضاعفة من مواد البناء والرمول القاتلة للأحراج القديمة والعظيمة، المنلفتة من أي رقابة، والتي تحتل نهارا الطرق الرئيسية والفرعية لتحول حياة العابرين والقاطنين الى ما يشبه الجحيم. وتمكنت الأمطار الشتوية على قلتها من فلح الطريق بين النبطية ومرجعيون ثم نحو بنت جبيل وصولا الى الناقورة، فيما ظلت بعض الجسور التي نسفها الطيران الاسرائيلي قبل الجلاء والتحرير رهينة انتظار غير منقطع، للترميم والتأهيل وإعادة البناء ومن قرارات الحكومة غداة التحرير: الانتهاء من أعمال صيانة الطرق الرئيسية وتوسيع المعابر خلال شهر واحد!

الهاتف: التعويض بالخلوي
وظن أبناء مرجعيون ان هواتفهم القديمة ستعود تنبض بحرارة الخطوط اللبنانية، بعدما شاهدوا الارتفاع الشاهق لعمود الإرسال قرب السراي الحكومي في مركز القضاء، لكن لم يرتفع غير العمود، وفجأة ومن دون تبرير توقف العمل في <<الحلم>> المنتظر وغادرت الورش ليبقى أبناء البلدة والجوار تحت رحمة التكاليف المرتفعة التي يدفعونها للسنترالات الخاصة التي كانت قبل التحرير وظلت بعده، او ثمن المكالمات الخلوية التي تتعاظم بتراكم الدقائق التي تجر بعضها، والحال هذه تندرج على حاصبيا وبنت جبيل وصولا الى الناقورة، علما ان احدى مقررات الحكومة ينص على الآتي: قطع اتصال شبكة الهاتف في المنطقة مع إسرائيل فورا، ووضع خطة عاجلة لربطها بمركزي تبنين والنبطية وذلك خلال أسبوع واحد، ثم إجراء التصليحات اللازمة على الشبكات والسنترالات خلال شهر، ولاحقا ايصال شبكات الهاتف الى جميع القرى المحررة وهذا يتطلب حوالى 3 أشهر.

التعويضات عن الأضرار
أما عن التعويضات عن الأبنية المهدمة والمتضررة بفعل القصف والتدمير، فالشكوى تستمر وتتفاوت بيت بلدة واخرى، حول تأخرها او <<انعدامها>>، او عدم كفايتها او <<إنصافها>>، ومن يستحقها ومن حرم منها، غير ان الثابت في تعويضات مجلس الجنوب هي الأموال التي وزعت على نحو ألف منزل مهدم ومتضرر ومصدرها دولة الكويت (20 مليون دولار)، علما ان تقرير مجلس الجنوب الى اللجنة الوزارية ذكر ان المسح الاولي أظهر وجود 8 آلاف وحدة سكنية بحاجة الى إعادة بناء كلي او جزئي تبلغ كلفة التعويضات عليها حوالى 150 مليار ليرة.

يقول مختار شبعا (حاصبيا) محمد عطوي: <<بعد ادعاء ابناء شبعا على مجلس الجنوب في أعقاب بلوغ حساب المشاريع المنفذة في البلدة منذ العام 1994، نحو تسعة مليارات ونصف المليار ليرة لبنانية، لاعتقادهم ان هذه المليارات تبني البلدة بأكملها، وبأن الأعمال المنفذة غير جيدة، جاء فريق خبراء من قبل الدولة اللبنانية وكشف على المشاريع التي نفذها مجلس الجنوب من خلال احد المتعهدين وأفادوا بأن اوراق التنفيذ ناقصة، تحتاج الى دفاتر الشروط ومعرفة المهندسين والمنفذين وكثير من الايضاحات المطلوبة وغابوا، على ان يزودهم المجلس ببعض التقارير المطلوبة وحتى الآن لم نعرف النتائج. بنى المجلس المدرسة على البيدر من دون علم وخبر في العام 1994، ثم المستوصف في العام 1996 او قبله، وبعدها قنوات الري التي سرعان ما تهدمت وأعيد ترميمها وقد ادعيت انا شخصيا على المنفذين لدى المحافظ الذي ارسل عناصر من قوى الامن الداخلي وكشفت، وحولت الاوراق الى مجلس الجنوب فحضر منه مهندسون، وأعادوا النظر>>.

ويؤكد المختار عطوي ان البلدة لم تتلق أي مبالغ بعد التحرير، <<نحن نعتبر ان شبعا كلها تعرضت للعدوان، نعاني من الحرب منذ العام 1967، مع العلم ان مجلس الجنوب قدم بعض المشروعات لجانبي نهر عين الجوز، قنوات الري، جدران دعم، وفي الكهرباء، لكن يجب التعويض على الخسائر المادية الخاصة>>.

وفي جولة ميدانية على بناء المستوصف يتبين ان معظم جدرانه <<زينت>> عند الزوايا واماكن الوصل من الداخل ب<<جوانات>> غطت عيوب <<التفسيخ>> والتشقق، فيما تدلى الطلاء من كل المطارح، واخذ <<النش>> مأخذه من السطح ومن تحت <<البلاط>> ومن كل حدب وصوب. اما الابواب والمطابخ والحمامات، فحدث ولا حرج، ويكاد المبنى الحديث العهد يصلح لأي شيء غير المستوصف او استثماره بأي مشروع حيوي، صحي وتنموي واجتماعي، فهو <<للأسف>> لا ينعم إلا بمدخل واحد يفضي إلى مسافة تتجاوز مائتي متر سيرا على الاقدام نحو آخر غرفة فيه على الجهتين.

أما بناء المدرسة فلا يبدو أفضل بكثير من بناء المستوصف وهي تبعد نحو ثلث ساعة او اكثر سيرا على الاقدام، من الساحة، ويردد ابناء البلدة ان هذه المباني المتلاصقة والبالغة المساحة بينت على <<نبعة>> مياه جرى تعطيلها وردمها، فيما لم يأخذ المتعهد الموافقة بالعلم والخبر، المتبعة في جميع رخص البناء في شبعا.

 


 

 

25 May 2000 - 2001

 
 

 

 

Home - English Contact Us Discussion Board Guestbook Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic