محمد علي شمس الدين: الرؤيا الشعرية تسبق الزمن


الأنـوار  (الإثنين، 11 حزيران 2001)

زينب حمـود

محمد علي شمس الدين، ابن بلدة بيت ياحون الجنوبية الواقعة على خط التماس بين ضفتي الوطن، احد الشعراء الذين كتبوا الحرب على ورق الحنين، فكانت له رؤاه الخاصة، حيث تخيل في يوم من الايام العبور الاسرائيلي الى الجنوب، كما تخيل دحره وإعادته الى موقعه. اكثر من ذلك وفي قصيدة مبكرة هي.. قصائد مهربة الى (حبيبتي آسيا) المكتوبة في العام 1974 والمنشورة في أول دواوينه الذي يحمل الاسم نفسه، كان الجنوب يومذاك حراً، وصف تفاصيل الإجتياح وتفاصيل تحرير يتبع الاجتياح، - بالطبع كما يقول كان ذلك صنيع الهاجس، أو حاسة المستقبل أو المخيلة. وحدث كل شيء في القصيدة، وفيها:

(ها انتِ الآن معي/واغادر مملكتي.

كغزال مطعون/وأترك أطرافي السفلى تتآكل حين 

تراودها الصحراء/ ها انت الآن معي/ وانا أتأرجح فوق مدارج أشلائي (...).

(حسناً ها انتِ الان معي/ تترصدني حدقات الطير/ وتسلمني للعسكر قبل طلوع الفجر/ فأصلب قرب ابي/ وأقوم بتدجين الفقراء فأجمع كوكبة/ وخيولاً تسرجها الأطفال/ فأدخل ارض الروم/ وأعلن بدء الفتح/ واعلن مملكتي/ وأقيم سرادق اعراسي).

سألناه: 

- كيف كانت هذه الرؤية؟

> انها بالأحرى رؤيا.

- ما الفرق؟

> لانها لم تكن واقعة بالفعل بل متخيّلة.

- هل حين حصل الاجتياح الاسرائيلي والاحتلال، لم تفاجأ به؟

> كلاّ، لم أفاجأ بالحدث، ولكن هزتني التفاصيل. هزّتني وحشيّة العدو. فصورتها في قصائد عديدة. مثل (اغنية كي تنام زينب)، و(الطواف)، و(هو القلب أم حفنة من دخان القرى)، و(فتى الرمان) وسواها. 

 

تحرير الجنوب 

 - السؤال نفسه مطروح عليك، أمام عملية التحرير.. ألم يفاجئك تحرير الجنوب؟

> لقد فاجأني اختصار الزمن. أما الفكرة فقديمة.. جميع أشعاري، حتى تلك التي تتناول الأقنعة، والتراث، والحبّ، وحتى رماد السيجارة، تنطوي على بارقة الأمل، أقول في قصيدة (حديقة مريم):

(... أَخَذَتْ مريمُ غصنَ الشجرةْ

رَسَمَتْ خطينِ لليأسِ وخطاً للأمَلْ

ثم شَقَّتْ صدرها العاري كرمانِ الجَبَلْ

وأشارتْ للدمِ المعقودِ فوق الثمرةْ

إنها تمطر في السرّ وقبل الكائناتْ

في أقاصي مريم المنهمرة.

إنه بالضبط، هذا المطر السري، هو الذي يبلّ الروح في أزمنة القحط واليباب.

- ما وجه المفاجأة بالتحرير؟

> المسألة كانت مسألة وقت. لقد سرّعت المقاومة العظيمة عجلة الزمان. هذا من جهة. إنما كنت أرى تحرير الجنوب رؤيا العين الداخلية.

- هل هناك مفاجآت أخرى؟

> نعم. لقد أظهرت عمليات التحرير العسكرية والنفسيّة هشاشة العدو الاسرائيلي. كان يظهر أمامنا كجبل الملح. يكفي قليل من الماء يجري تحته حتى يذوب وينهار. لقد كان الجنود الاسرائيليون يموتون بالصرخات قبل الطلقات.

- هل تعني أنّ مسافة الزمن، الفاصلة بين الاحتلال والتحرير، لم تكن ذات فعل أو إضافة في ذاتك؟

> كلا، بل أعني أن الرؤيا الشعريّة تسبق الزَمَن. الشعر استراتيجياً. وتكتيكات الواقع تثبت هذه الستراتيجيا. لقد جاءت الأحداث على التوالي تعزّز رؤيتي بضرورة الحرية وحتميتها.

- ماذا حرّر التحرير فيك؟

> أعوّل جداً على المخيلة... تحرير المخيلة هو مفتاح جميع الثورات وعمليات التحرير في التاريخ.

- كيف يمكن أن تكون المخيلة مكبلة.. أو محتجزة؟

> تحرير المخيلة أساس الإبداع لدى الإنسان. وما يعوق من انطلاق المخيلة عوامل عديدة نذكر منها: ضغط العادات والتقاليد البائدة، الانغلاق على الذات وعدم التفتح على الآخر.... عدم الإصغاء للاختلاف وإدعاء الكمال..

 

المخيلة والمنطلق

- هل كان لدى أبطال التحرير في الجنوب مخيلة منطلقة وإبداعية؟

> لاحظت ذلك من خلال استخدامهم عسكرياً ونفسياً لأساليب القتال الحديثة، كان الإيمان يتحرك من خلال الاسلحة المتطورة. ثم كان لديهم إبداع في التصرّف بأجسادهم الحيّة. ومع ذلك. مع كل ذلك، فأنا أخاف.

- ممَّ تخاف؟

> كان بودّي أولاً، لو شاركت جميع الطوائف والفئات السياسية والاجتماعية في لبنان بعملية التحرير. ذلك لأن المجتمع اللبناني، كما هو معلوم، مجتمع متعدد الطوائف والأحزاب والثقافات. صحيح أنه كان ثمة اصطفاف شعبي شبه عام وراء المقاومة، الا أنّ ذلك لم يكن كافياً على ما يظهر. إذْ سرعان ما طفا على السطح ما كان كامناً ومستتراً في أعماق المجتمع، من انقسام وصراع. ذلك يعني ان عمليّة التحرير لم تكن وحدها كافية لتوحيد الشعب اللبناني، او لإزاحة أطياف الاقتتال الأهلي البغيض عن بعض المخيلات. أعوّل جداً على تحرير الداخل الإنساني من جملة قيود.

- كيف يتمّ تحرير الإنسان من دون تحرير الأرض؟

> اذا تحرّر الإنسان فهو كفيل بتحرير الارض.

- ما هي الشروط؟

> لقد لاحظتُ دائماً ان ثمة تناقضاً بين منطقين: منطق الحرب الأهلية في لبنان ومنطق التحرير. فما دامت هناك حرب أهلية، فان التحرير كان بعيداً أو مُقصى.

أهمّ مميزات المقاومة الوطنية في الجنوب، أنها لم تشارك في الحرب الأهلية.

- لكنها كانت دينية؟

> لقد بدأت المقاومة الوطنية في الجنوب، شاملة جميع الفئات والطوائف والأحزاب. ثم انتهت دينية حيث انفرد بها (حزب الله). وإنّ استعراض لائحة الشهداء، كفيل بإظهار ذلك. هناك سناء محيدلي ولولو بعاصيري وبلال فحص.. كما هناك سهى بشارة وسواهم. أمام هذه الاسماء، نجد انتماءات الى الاحزاب الوطنية بأجمعها، من الحزب الشيوعي الى البعث الى القومي فأمل فحزب الله. وهناك أيضاً متطوعون مقاومون بلا انتماء حزبي. كما هناك المسيحي والمسلم والدرزي... أما لماذا انفرد (حزب الله) أخيراً بالتحرير? فلعلّ لذلك اسباباً عديدة. وأنا أحمّل سائر التنظيمات والأحزاب المسؤولية.

 

الصمود الشعبي

- لكنْ، هناك الصمود الشعبي.

> نعم. كان الناس يشكلون للمقاومين البيت والزاد والحارس والرديف. لقد كان هناك مقاومة شعبية بكل معنى الكلمة. وكان العنف الاسرائيلي الأعمى أو الأخرق، المتمثل بالطيران والمدفعية والمعتقلات (انصار والخيام)، يُرَدّ عليه بالصمود والتشبّث بالأرض.

- هل كان للمقاومة ثقافة، كما ترى؟

> بلا ريب. وإنّ ثقافة المقاومة عميقة وبعيدة الأغوار. لماذا لا نذهب بها الى معنى الاستشهاد في التراث الإسلامي والمسيحي معاً? حيث (الشهيد) حيٌّ عند الله يرزق... لقد لعبت فكرة الاستشهاد ومعناها دوراً مهماً لدى المقاومة الإسلامية. كذلك فان واجب الدفاع عن الوطن لعب دوره الكبير لدى المتطوعين للتحرير. وتجاربنا التاريخية مثال كما تجارب الأمم الأخرى. إنّ خيال صلاح الدين الأيوبي والحروب الصليبية لا يبرح حاضراً وماثلاً حتى اليوم. كما أن تجارب التحرير في فيتنام حاضرة.. كل ذلك جزء من التراث التحريري.

هناك وجه آخر لثقافة التحرير، هو الجزء الفكري. ففكر التحرير فكر ثوري يرفده مفكرون كثر قدماء ومحدثون. من أبي ذرّ الغفاري الى غيفارا.

الوجه الفني الإبداعي لثقافة التحرير يتمثل بمجمل الأعمال الشعرية والمسرحية والروائية والموسيقية المقدّمة في هذا الصدد. وهي كثيرة، ولا بد من تفصيل لها ولمحطاتها وأبرز ممثليها.

 

تقصير المثقفين!

- يلاحظ نبرة اتهامية للمثقفين، ارتفعت بعد التحرير، اتهمتهم بالتقصير... ما رأيك؟

> هذه النبذة كانت حماسية في البداية، ولا تخلو من التطرف. بل لا تخلو من التجني. حتى قيل ان التحرير كان فقط للسلاح، وبالتالي فلم يكن ثمة من مثقفين واكبواه او كتبوه فكرا وابداعا.

المثقفون؟ من هم المثقفون؟ انهم اصحاب الفكر والابداع والاساتذة الجامعيون والطلاب، بل هم المجتمع المثقف بكامله. وهو مجتمع تعددي في لبنان كما قلنا. فلبنان بلد متعدد الثقافات. وذلك من حسناته. ولعل من يفهمون بالثقافة تلك الاستجابات السريعة الانفعالية للاحداث، واهمون ان ثقافة التحرير الابداعية في لبنان، غائصة في عمق تاريخه وصولا لحاضره. جبران خليل جبران وامين الريحاني ونعيمة والبساتنة واليازجيان ومارون عبود هم من صانعي ثقافة التحرير مثلا. الشعراء المبدعون المحدثون من صانعي هذه الثقافة. وليس بالضرورة ان يكونوا من الجنوب اللبناني. اضيف لذلك التفاتة اراها ضرورية. وهي تتعلق بالشاعر اللبناني خليل حاوي الذي انتحر في الخامس من حزيران 1982 عشية اجتياح القوات الاسرائيلية للبنان ووصولها الى مشارف العاصمة بيروت.

- كيف ترى انتحار خليل حاوي كفعل ثقافي؟

> نعم هو فعل احتجاج ثقافي وابداعي كبير. لا ريب في ان من اسباب انتحار خليل حاوي فداحة احساسه الوطني بالمهانة امام العدو الاسرائيلي. هو شهيد كبير من شهداء الشعر العربي الحديث وشهوده. اشعار خليل حاوي كما انتحاره جزء من ثقافة المقاومة.

- هل لنا اخيرا بان نحظى منك بقصيدة جديدة، ونطلب ان تكون للجنوب؟

> نعم. هي ابيات الى (السيد الجنوب):

(يمشي على الموتِ تيّاهاً كأنّ به من الألوهةِ شيئاً ليس يُخفيهِ

يمشي الهوينــا وقتــلاهُ تمــجّدُهُ كـأنما كــلُّ مــا يُــردْيهِ يُحْييــهِ

يعلو على الغيم آناً

ثم آونةً

يدنو فيصبح أدنى من معانيهِ

أعطيتُه كُلُّ ما أوتيتُ من نعمِ وما ندمتُ

فألقاني على التيهِ)


 

 
25 May 2000 - 2001  
 

 

 

Home - English Contact Us Discussion Board Guestbook Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic