أسير محرر دخل زمن الأبطال وانحاز الى الوطن ـ الحلم
ديغول بطرس أبو طاس

" انخرطت في "حـزب الله" انطلاقاً من ثـورة المسـيح علـى الظلم"
"التراب المجبول بالشهادة لا يحمل وطناً قابلاً للوفاة"
" قررنا استعادة الغبار الذي علق على بزات جنود العدو لحظة فرارهم!"

اللواء (الثلاثاء، 21 أيار / مايو 2002)

سلام ناصر الدين

ديغول بطرس أبو طاس

ديغول خارج معتقل الخيام

الأسير المحرر ديغول أبو طاس

"ديغول" لحظة التحرر من سجن الخيام

عامان على التحرير··· والمناضل ما زال يعتمر خوذة النضال ويقف في المواجهة·

طوى مسافات الوجع التي عاشها طويلاً، إلا أنه لم يستقل من الانحياز الى الوطن- السيد ولم يدركه التعب في البحث عن حلمه المرسوم بالغياب الى أجل·

ما زال "ديغول بطرس أبو طاس" (من بلدة رميش الجنوبية, قضاء بنت جبيل) المجبول وجهه بطين الأرض يعيش ثورته على الظلم ويهرب الى الحلم، ينسج ذلك الأسير المحرر تفاصيل نضاله في الظل ويدخل زمن الأبطال بإرادته رافضاً أن يلعب يوماً دور "الكومبارس"·

آثر الانخراط في صفوف "حزب الله" بعد أن وجد فيه الساحة الأشرف لمقاومة الاحتلال الصهيوني بعيداً عن انتماءاته الدينية والعقائدية حيث التقى- ومنذ اعتقاله الأول في العام 1976- مع "القوى الحية الثورية والحاملة لفكر المواجهة مع العدو الصهيوني وحواضنه الغربية على مختلف اتجاهاته الفكرية" وصولاً الى انخراطه في ساحة "حزب الله" الذي تقدم قادته قافلة الشهداء والأسرى - كما يشير "ديغول - "فكان الشهيد عباس الموسوي وهذا السيد (اشارة الى الامين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله) الذي قدم فلذة كبده على درب الشهادة وازداد بعدها تواضعاً وخجلاً أمام عوائل الشهداء وعندما تحقق النصر، أكد انه نصر جميع اللبنانيين وليس لطائفة دون أخرى ليحقق بذلك "حزب الله" فرادة تاريخية لم تملكها أي مقاومة أخرى عبر التاريخ وهي فرادة الإنجاز الحضاري الذي رافق النصر العسكري"·

بعد عامين على التحرير، ماذا يقول "ديغول أبو طاس" ذاك المقاوم الذي خرج من قوقعة الطائفية والمذهبية··· او بالاحرى التي لم يدخلها يوماً الى نطاق الوطن - الحلم؟

الى أين تأخذه أحلام النضال وهل خرج حقاً من سجن الوطن الكبير الى آفاق من الحرية الأرحب؟ والانتفاضة في فلسطين، هل أججت الوهج النضالي الذي عاشه المقاومون لسنوات طويلة وما زالوا؟

قادته "مسيحيته" الى اللقاء مع اولئك الذين "لم يثقب التاريخ ذاكرتهم المختزنة لثقافة الثورة الحسينية على الظلم والذين استحضروا كربلاء ومظلومية أهل البيت الى ارض الجنوب لإنجاز النصر الذي تحقق"، هادفاً من وراء الانخراط في صفوف حزب ذي طابع ديني الى "ضرب كل المفاهيم الطائفية المقيتة وتحطيم ذلك العقل الطائفي والتركيبة الفكرية الهزيلة التي تحكم العقل السياسي عند البعض - يقول "ديغول"- فيستهجن تلاحم المسلم والمسيحي من أجل الدفاع عن الإنسان والارض ولا يستغرب توافق العميل المسلم مع العميل المسيحي حول خيانة الوطن والعمالة للعدو"·

ويضيف: آثرت العمل مع "حزب الله" كوني أحد المسيحيين الذين انطلقوا من ثورة المسيح (عليه السلام) شهيد المسيحية الأول ضد الظلم والحقد اللذين بنت منهما الصهيونية فكرها البغيض·

"السجن وطني"

سجون عديدة استضافته على مدى أعوام النضال كانت أكثر قسوة من زنازين الاعتقال اولها "سجن الغربة القسرية عن الوطن بعد اعتقالي الاول في العام 1976 ووجدت نفسي بعدها في سجن كبير داخل المنطقة المحتلة على مدى سنين طويلة الى أن دخلت سجن الخيام ذلك المعتقل الرهيب في مرحلة اعتقالي الثاني"·

تحرر ديغول مع تحرير الارض في أيار 2000، فخرج الى سجن أكبر وأكثر ظلماً وظلاماً، الى "تركيبة الوطن الطائفية والسياسية حيث يسجن فيها مصير هذا الشعب"··· وبقي الوطن في القلب يأوي معه الى كل الزنازين التي حل ضيفاً عليها الى أن صار "السجن وطني والحرية التي أقاوم من أجلها أمست ساحة بحجم الوطن··· بحجم الحلم فتعلمت أنني حين أقاوم··· فإني لست مهزوماً"·

···قدر المحارب الا يستريح

زرع ذاك المنتصر سنوات عمره في تلك الأرض وشاركها حزنها ووجعها وكذلك نصرها وفرحها: "فالنصر الذي تحقق في 25 أيار 2000- كما يؤكد - ما هو الا بداية لانتصارات أخذت المقاومة على عاتقها مهمة إنجازها··· فالمقاومة مستمرة وبأشكال عديدة لم تخب او تضعف كما يعتقد البعض، وصدى الانتصار هو بحد ذاته فعل مقاومة تردد في فلسطين المحتلة وأشعل الانتفاضة، ذلك الهاجس الذي صار يحكم العدو اثر كل عملية نوعية للمقاومة في فلسطين ليشير الى أسلوب "حزب الله" في لبنان·ويتابع قائلاً: "يكفي ان يلتفت الجندي الإسرائيلي عند الحدود مع لبنان ليرى مجاهدينا يقفون قبالته ليصاب بالرعب من أولئك الذين كانوا يصطادونه من مواقعه في الجنوب ويلقون القبض عليه متلبساً بجبنه وضعفه"· فالفرسان لم يدركهم الوهن، لم ينكفئوا ولم يترجلوا، ما زالت وجوههم متربة وراياتهم مرفوعة وعيونهم شاخصة الى البعيد والدليل - يقدمه "ديغول" وهو "استمرار العمليات في مزارع شبعا المحتلة وتصاعد وتيرة العمليات وانخفاضها تبعاً لما ترتئيه قيادة المقاومة من مصلحة تصب في خانة المقاومة والانتفاضة في فلسطين المحتلة"·

فقدر المحارب- يؤكد "ديغول" - الا يستريح طالما "بقي هذا المسخ الغريب يربض على صدر المنطقة ويمارس احتلاله وعدوانه بالتواطؤ مع الإدارة الأميركية التي خرجت من قبعة ذلك الساحر الصهيوني لتقسم العالم الى قسمين والتاريخ الى قسمين بعد وقبل 11 أيلول إذ نصب "بوش" (إشارة الى الرئيس الأميركي جورج بوش) نفسه مدعياً عاماً عالمياً يتهم من لا يكسب "ثقته واحترامه" بالإرهاب في أكبر عملية تزوير للحقيقة في التاريخ أدخل فيه العالم الى الزمن الأميركي الصهيوني البالغ الذروة في التوحش"·

وفي محاولة للإفلات من قبضة ذاك الزمن الذي يحكمه منطق القوة، لا بد - باعتباره - من "استنهاض روح الثورة والنضال ضد ثقافة القبول بالذل والمهانة التي يحاول فرضها علينا ذلك الحلف الشيطاني الأميركي - الصهيوني"·

الانتفاضة لن تسقط

الانتفاضة - في عرف ذاك المحرر من عبثية الوطن - لن تهدأ ولو تآمرت عليها قوى الشر كلها: "فالانتفاضة قد تخلقت من رحم المقاومة في لبنان التي ألهبت الوهج النضالي الفلسطيني واحتدمت على وقع أداء التحرير والنصر في الجنوب··· فالشعب الفلسطيني لم يلقِ السلاح على مدى الخمسين عاماً الماضية والبندقية لن تخذله هذه المرة، كما لن يخذله السلاح الامضى والاقوى وهو سلاح العمليات الاستشهادية الذي يفوق قدرة صواريخ العدو الذكية ويرتقي بالاستشهادي صعوداً نحو الشهادة - الولادة· هذه الشهادة التي تقضّ مضاجع الغاصبين وتسكنهم منازل الرعب كانت حلمه الذي أسكنه نبضات الانتظار وما زال يوشمه بالتفاؤل: "تداعيات الانتفاضة لا بد أن تمر في الساحات العربية نضالاً وتعزز ثقافة المواجهة والتحدي لدى الأجيال الناشئة وعلينا الانتظار بعض الوقت لنتلمس نتاج المقاومة والانتفاضة في لبنان وفلسطين واسقاطاتها المستقبلية·

الاوطان لا تموت

الحلم ببناء وطن حقيقي يحضن أحلام أبنائه ويحتضن آمالهم ما زالت هاجس ذاك المقاوم، يقول وملؤه التفاؤل: "أعتقد ان الوطن قيد البناء على الرغم من انه ما زال أمامنا الكثير لتحقيق هذا الحلم··· البناؤون هم المقاومون والاسرى والجرحى وقوافل الشهداء الذين سقطوا على درب بناء هذا الوطن··· ولا ننسى ذاك الخزان الشعبي الذي يرفد المقاومة ببنائين جدد أصبحوا جزءاً من التراب المسلح المجبول بالعزيمة والاصرار على إكمال البناء مهما بلغ القهر والظلم ذروتها··· فربما تغفو الأوطان في بعض حالات التراجع أمام ضغط الإستبداد ولكن لا تموت لأن التراب المجبول بدم الشهادة لا يحمل وطناً قابلاً للوفاة"·

محاكمة المقاومة والمقاومين

وفي هذا الإطار، ويتجلى الدور الرسمي في دعم هذا الفعل النضالي واحتضانه ويطرح السؤال: هل نال المقاوم في لبنان حقه والى أي مدى يشعر بعطائه على المستويين الشعبي والرسمي؟

لا يربط "أبو طاس" الموقف الشعبي بالموقف الرسمي إذ يرى ان هذه الشرائح الواسعة من الشرفاء على اختلاف مشاربها المذهبية والفكرية تشكل "عزاء وظهيراً يتكىء المقاوم عليه في انطلاقته لإكمال مسيرة المقاومة رغم انشغال البعض بهمومه وقضاياه المعيشية في ظل وطأة الوضع الاقتصادي الصعب"·

أما على المستوى الرسمي، ورغم احترامه الكبير لمواقف بعض المسؤولين في السلطة وعلى رأسهم فخامة رئيس الجمهورية العماد أميل لحود وشرفاء المؤسسة العسكرية و"دورهم في بناء ثقافة الوطن والكرامة"، الا انه يصف التعاطي الرسمي مع هذه الشريحة المقاومة بالأقرب الى "الحالة العدائية ومحاولة - من المؤكد انها فاشلة - لإقناعنا بالتنازل عن دورنا عبر سياسة التجويع ومحاولة تركيع البلد وإخضاعه للشروط الصهيونية والمشروع الأميركي"·

وضمن هذا السياق، يفتقد التعاطي الرسمي الى أطر وطنية ومؤسساتية تعطي الأسرى والمقاومين حقوقهم دون الحاجة الى مطالبات مستمرة ورفع رايات الاعتصام والتظاهر·وهذا ما دفع بـ "ديغول" في بداية التحرير الى القول بأن الدولة تتعاطى معنا "في إطار مشروع أشبه ما يكون بمحاكمة المقاومة والمقاومين"، إذ ان "انكار حق الأسرى في الحصول على الحد الأدنى من حقهم في العيش الكريم وعبر محاكمة العملاء في إطار قانون أشبه ما يكون بقانون "تبويس اللحى" حيث لم يعرف البعض منهم طريقه الى السجن بينما يحصل البعض الآخر على تعويضات من العدو كثمن لخيانته وبمعرفة السلطة، ما هي الا دلائل على رفض عطاءات المقاوم وتضحياته من اجل عزة الوطن وكرامته ولا تلتقي مع سياسة بعض أركان السلطة"·

نحو جنوب الجنوب

لم يثن هذا التعاطي المقاوم عن القيام بدوره النضالي ولم يبعده عن ساحات الوغى متى دعاه الواجب، أيقن ان لحظة تحرير الارض قد آن أوانها، فزعرد للحرية الآتية من بعيد وأطلق لجرحه عنان الصراخ· لم يسترح المحارب··· فما زالت مزارع شبعا محتلة وما زال محكوماً بالأمل··· كل الأمل·

ديغول والمقاومون··· كل المقاومين لم يدركهم التعب ما زالوا يغنون أغنية النصر في زمن الهزيمة الرسمية العربية··· يموتون واقفين ويقولون "لا"·

ويتلهى البعض بسجالاته العقيمة ولا يموت الا "حسب الطلب" ولا يقدر الا على قول "نعم" وبصوت خافت·

الى الشهداء، كل الشهداء، يوجه "ديغول" رسالته··· فالحقول المرتوية بدماء هؤلاء "لا بد أن تزهر لأنها لا تعرف المحل واليباس ابداً"·

يقول لهم: "اطمئنوا، فإن نصراً آتى ونصراً آخر قادم··· لقد حفظنا الوصية وإنا على يقين أن مزارع شبعا ستعود وكذلك الأسرى والمعتقلون في سجون العدو حتى أننا قررنا استعادة الغبار الذي علق على بزات جنود العدو لحظة فرارهم من أرض الجنوب··· اطمئنوا، فإن أعيننا ما زالت مصوبة نحو جنوب الجنوب"·
 
  

§ وصـلات:

 

لا ننسى أسرانا !

 

 
    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Op-Ed Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic