سمير القنطار في الذكرى الثالثة للتحرير:
لمن لم ينسَ الأسرى في السجون الإسرائيلية

النهار (الأحد، 25 أيـار «مايو» 2003)

هناك حكمة تقول:
"ان الشجرة تصبح نبتة ملعونة ان لم يتفيأ ظلها اولئك الذين زرعوها وسقوها وأفنوا سنوات عمرهم كي تينع وتخضرّ". 

     في هذه الايام تطل علينا الذكرى الثالثة لتحرير الجزء الاكبر من جنوب لبنان العزيز الغالي، ذكرى تحمل في طياتها معاني ودلالات مشرقة كثيرة، وتحفظ في القلب منها دلالة قاسية مؤلمة مجحفة وظالمة وهي قضية الاسرى اللبنانيين في سجون العدو. الذكرى الثالثة تطل ونحن كنا نتوقع وامام ما اطلق من وعود بأن الذكرى الاولى ستمر ونحن بين اهلنا وشعبنا ننعم بالحرية اسوة بكل اللبنانيين الذين لمسوا معنا هذا الانجاز العظيم. ولكن ويا للأسف مرت الذكرى الاولى والثانية والثالثة ونحن هنا محتجزون في العلب الاسمنتية نواصل دفع ثمن حرية جزء عزيز من انسان الوطن وترابه، وترنو انظارنا بعيدا لترى اين وصلت تفاعلات هذه القضية في الاوساط اللبنانية على الصعد والمستويات كافة والمشهد الذي يطالعنا هو الآتي: 
 

على المستوى الرسمي:

     نرى ان هذا الملف اصبح يشكل عبئا ثقيلا على الدولة اللبنانية لا تستطيع ان تتحمله. ولنكن واقعيين ونقول ان هذا الملف اكبر بكثير من امكان ان تتحمله الدولة رسميا بسبب التعقيدات التي احاطت به منذ وقوع جنود العدو في اسر المقاومة، اي ان الدولة، وفي حال اثارة هذا الملف على المستوى العربي والدولي، ستكون معرضة للمساءلة في ما يتعلق بمصير جنود العدو الاسرى، مساءلة لا تستطيع الدولة التصدي لها لأن فاقد الشيء لا يعطيه، والدولة اللبنانية لا تستطيع ان تجيب اجابات غامضة ومتناقضة مع بروتوكولات سلوك الدولة. لذا هي تفضل ان تبتعد قدر المستطاع عن هذا الملف. هذا دون الاشارة الى ان تفاعل الدولة اصلا، وقبل اعتقال جنود العدو، لم يكن بالمستوى المطوب ولم يتعدّ خطوط الالتزام اللفظي. اما اليوم فنرى ان الدولة تهرب الى ابعد نقطة ممكنة عن هذا الملف. وفي ظل الواقع السياسي السائد في لبنان فإنني افهم جيدا انها لن تستطيع ان تقترب منه.
 

على مستوى المؤسسات المدنية المعنية بقضية الأسرى:

     في هذا السياق كان الدور الابرز للجنة المتابعة لدعم قضية المعتقلين التي استطاعت ان ترفع درجة الوعي والاهتمام بهذا الملف على المستوى الوطني والعربي والدولي، وكان اداؤها رائعا لسنوات طويلة وحظيت باحترام كل الاوساط حتى تلك التي لم تكن راضية عن وجودها. وهي التي حاولت ان تكون بعيدة عن التجاذبات الحزبية. ولكن مع مرور الوقت بدأت اهتمامات اللجنة تبتعد عن الاهداف التي انشئت من اجلها مما ادى الى تزايد ابتعاد عائلات الاسرى عنها وقد افتقرت الى آلية تنظيم داخلي واختزلت بشخص رسم خط سيرها وحدده وقرره خلافا لرغبة بعض عائلات الاسرى احيانا مما ادى الى تخبطها وانحرافها عن الاهداف التي تأسست من اجلها حيث صارت تركز اهتمامها على الاسرى الكويتيين المفقودين في العراق، وفجأة تترك هذا الملف وتنتقل للاهتمام ببعض معتقلي الانتفاضة الفلسطينية، وبعدها تنتقل الى الاهتمام بالاسرى الذين وقعوا في ايدي القوات الاميركية والبريطانية الغازية للعراق. ولا نعلم في أي اتجاه ستكون نقلتها المقبلة.

وفي كل الاحوال هذه اللجنة يعتبرها اليوم 99 في المئة من الاسرى وعائلاتهم لا تمثلهم ولا تمثل قضيتهم وما ذكرته اعلاه ليس تجنياً بمقدار ما هو حقيقة لمسها كل لبناني يتابع وسائل الاعلام. نقول هذا الكلام ليس من باب النقد النظري بل من باب حرصنا على الا يضيع التراث النضالي الذي قدمته اللجنة على مر السنوات. وفي رأينا لا قيام لعمل مؤسسي اهلي تضامني مع الاسرى الا من خلال تضافر كل الجهود في هيئة تنسيقية واحدة واضحة البرامج والافق والاهداف، لأن البدائل التي طرحت في السابق للجنة المتابعة لا تعدو كونها غطاء لهذا لحزب او ذاك.
 

على المستوى الحزبي:

     قضية الاسرى لا تأخذ المكان الذي تستحقه في جدول اعمال الاحزاب اللبنانية. وهي تكون مغيّبة كليا عن هذه القضية حتى على مستوى النشاطات الروتينية، وان كنا نلمس بعض الحضور لبعض الاحزاب في الفاعليات المتضامنة مع الاسرى. كما لا بد من تثمين دور الاخوة في "حزب الله" الذين لم ينقطعوا عن عائلاتنا في المناسبات والاعياد، اذ لا تمر مناسبة او عيد الا ويكون حضورهم بين عائلاتنا ملموسا. وهذا بحد ذاته يثلج القلوب ويبعث على الارتياح ويعزز من صمود الاسير ويترك اثاراً نفسية ايجابية جدا عليه وعلى عائلته. وفي هذا السياق لا بد من التأكيد ايضا على الدور الايجابي لبعض وسائل الاعلام التي تواكب كل ما يخص هذه القضية وتنشره.

المقاومة وقضية الاسرى:

     منذ البداية كانت المقاومة تصر على تحرير الاسرى كاستحقاق مرتبط ارتباطا مباشرا بتطبيق القرار ،425 وحاولت الدولة في حينه ان تعالج هذا الملف عبر القنوات الديبلوماسية وتحديدا من خلال الامم المتحدة. لكن عندما ثبت ان تدويل هذه القضية لم يعط نتيجة اخذت المقاومة على عاتقها مهمة تحرير الاسرى بالاسلوب الانجع وهو مبادلتهم بجنود العدو، وتمكنت المقاومة من اسر جنود العدو من اجل تحقيق هذا الهدف. ومنذ ان وقع جنوده في اسر المقاومة كان موقفنا انه لا بد من الاستفادة من هذه الفرصة من اجل تحرير العدد الاكبر الممكن من الاسرى الفلسطينيين والعرب الذين امضوا سنوات طويلة في الاسر. وكان واضحا لنا ان مهمة المقاومة يجب ان ترتكز على ايجاد توازن زمني يعطيها من جهة الفرصة للضغط لاطلاق اكبر عدد ممكن من الاسرى اللبنانيين والعرب الى جانب الاسرى اللبنانيين وعدم اطالة مدة معاناة الاسرى اللبنانيين والقدماء من الفلسطينيين والعرب لأن قضية الاسرى القدماء هي قضية انسانية مأسوية بكل ما تعنيه الكلمة. واعتقد ان الشرائع الدينية والدنيوية تعطيهم الحق بالحرية الفورية مهما كان الثمن الذي سيدفع مقابلهم.

ان اطلاق سراح اعداد اخرى غيرهم يجب ان لا يكون ابداً على حساب مأساتهم ومأساة عائلاتهم، انني مهما حاولت ان اشرح عن المعاناة الانسانية لهؤلاء الذين امضوا عشرات السنين من الاسر، ومعاناة عائلاتهم، فانني لا استطيع ان اعبر عن الحقيقة، وفقط الذي مر بهذه التجربة او القريب جدا منها يدرك ابعادها الانسانية والاخلاقية. ان ملاحظتنا ومن خلال متابعتنا ان هذا الموضوع يدور في حلقة مفرغة عمرها سنوات وليس اشهراً. هذه الحلقة تدور وتأكل معها سنوات من المعاناة القاسية للأسرى القدماء وعائلاتهم الامر الذي يثير الدهشة حتى في اوساط الاسرى الحديثي الاعتقال الذين يمثل الاسرى القدماء امامهم شواهد على المعاناة والظلم والاجحاف الذي لحق بهم وبعائلتهم.

انني لن استعرض هنا ملاحظات كثيرة متعلقة بهذه القضية لكن ما اود تأكيده انه قد آن الاوان ان يحظى الانسان المناضل المجاهد بمكانة تحترم انسانيته، لأن ثقافة الشهادة والاستشهاد يجب ان يدفعنا الى تعزيز فكرة الانسان كقيمة بحد ذاته، وان نكون قوما لا نهمل اسرانا في السجون، ويجب ان يحظى هذا الملف باهتمام اكبر من جانب الرأي العام في لبنان لأن العين الناقلة والمهتمة هي التي تحمينا من الاخطاء وتضمن انصافنا وانصاف عائلاتنا.

اخيرا لا بد من كلمة شكر وتقدير اوجهها في ذكرى التحرير الى هؤلاء الشباب الذين ينتفضون في كل مناسبة تضامنية معنا للاحتشاد في الساحات والقاعات واقول لهم ان وقفتكم معنا هي خيوط النور الذي ما زال يتسلل الى اعمالنا ويبعث الامل فينا، كما احيي ارواح شهدائنا الابرار واعاهدهم ان ابقى على الدرب ابدا.

§ وصـلات:

 
 

 
    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Op-Ed Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic