عائلة السلمان قدمت شهيدين وأربعة معتقلين
أفرحها التحرير وتسأل عن معاقبة المتعاملين

المستقبل (الخميس، 29 أيـار «مـايو» 2003)

مهى زراقط

     عندما عاد علي (35 عاماً) إلى قريته الجنوبية مركبا بعد سنوات طويلة قضاها مغترباً في البرازيل حيث قاسى الأمرين، هرع إلى الغرفة التحتية للمنزل (الأرضية) يفتش عن ذكريات تعيده إلى فترة مراهقته في القرية التي تركها محتلة.

لم يجد إلا عدداً من كتبه المدرسية المجلدة بورق أزرق مقوى وفوقها نايلون، حملها وأخذ يستعيد عبر صفحاتها ذكرياته:

"أتذكر عندما سألني أستاذ الرياضيات حل المعادلة الجبرية (a+b)=2 وقفت أكثر من عشر دقائق وأنا أقول له س(a+b)2 ?galس منتظراً أن يساعدني أحد زملائي في الصف لكن يبدو أننا كنا جميعاً كسالى "وأكلت القتلة من الأستاذ".

يلتفت ويسأل شقيقه: "دخلك فريدة رسلان كانت معي بالصف وكانت شاطرة، شو صار فيها؟ عندما كنت آخر مرة في لبنان قالوا لي إنها في معتقل الخيام؟".

يجيبه مصطفى: "بقيت ست سنوات في المعتقل، تعذبت كثيراً وهي اليوم متزوجة من أسير محرر من قرية حولا المجاورة".

"من كان يصدق إنو فريدة بيطلع منها هيك؟ كانت هادئة وحساسة كثيراً. كيف تحملت" يقول علي ثم يكمل فلش أوراق الكتاب، تقع صورة منه على الأرض، هي صورته مع شابين من البلدة، ينحني ويحملها: "يا الله هاي صورتي مع عماد السلمان وعبد الله عطوي" يقترب شقيقه منه ويتأملان الصورة سوياً "لم أنسهما يوماً" يقول علي وتنهمر دموعه "أنا أيضاً كان يمكن أن أكون شهيداً مثلهما، كيف استسلمت لقذارة الحياة وهاجرت؟ كيف؟ يا الله على هيديك الأيام، شوف شو كنا لابسين، شتوي، بس ناسي وين تصورناها".

يأخذ مصطفى الصورة متأملاً إياها من جديد: "هني اللي رفعولنا راسنا، بس فكرك أهلهم ارتاحوا شي نهار؟ ولا يوم يا حرام. عائلة السلمان قدمت شهيدين وأربعة معتقلين حتى صارت مضرباً للمثل على قدر ما تعذبت"..
"خبرني عنهم، شو صار معهم.. 
"بلا ما خبرك.. يللا نطلع لعندهم".

كان معظم أفراد العائلة في المنزل مساء ذلك السبت. ترحب أم جهاد بالضيوف وتدعوهم إلى الجلوس على الكنبة فيفضلون "الطراحة".. كبر الأطفال الذين ودعهم علي صغاراً، لينا وهلال ونشأت.. أشقاء الشهيدين.. جلسوا على الكراسي مستمعين لأحب حديث إلى قلوبهم، الحديث عن الشهيدين عماد وبلال..

تحكي لينا بدءاً من العام 1987: "كنت أقيم مع عماد (21 عاماً) في بيروت حيث كنا ندرس، أما بلال (19 عاماً) فكان في القرية مع أهلي وإخوتي الصغار. في البداية اعتقلوا بلال، وبعد شهرين عادوا واعتقلوا أمي وأبي وهلال بسبب وقوع عملية للمقاومة قرب المنزل الواقع قبالة مركز للعملاء، وبقي نشأت وطلعت وحسن في المنزل مع جدتي وكانوا أطفالاً إذ لم يكن يتجاوز عمر أكبرهم، نشأت، الحادية عشرة".

تحكي الأم التي لا تزال ترتدي الأسود، عن حياتها في الاعتقال قافزة عن التحقيق والتعذيب اللذين تعرضت لهما على مدى شهرين: "كنت دائماً أطلب رؤية زوجي وولديّ، لكنهم لم يقابلوني بهم، وعندما أفرجوا عني لم يسمحوا لي حتى بالعودة لرؤية الأطفال في القرية، بل أبعدوني مباشرة إلى بيروت".

عندما وصلت إلى بيروت استقبلها عماد بالقول: "هذا امتحان من الله، نحن اخترنا هذا الخط ومشينا به وعلينا أن نتحمل". تقول: كان يرفض رؤيتي باكية، كان يزعل كثيراً عندما يراني باكية ويقول لي اصبري.
 

في القرية

     لم يلحق الأولاد بأمهم بعد إبعادها وإنما عاشوا مع جدتهم فترة تحمل خلالها نشأت مسؤولية كبيرة: "كنت أتعذب كثيراً للحصول على تصريح بزيارة أهلي في المعتقل، حتى أن أهالي المعتقلين صاروا يتهربون من اصطحابي معهم لطلب التصريح خوفاً من أن يعرقل وجودي معهم طلباتهم، فصرت أذهب وحدي من مركبا إلى الطيبة ومرجعيون والخيام، وغالباً ما كانوا يرفضون منحي تصريح الزيارة".

يضيف نشأت الذي صار شاباً، يشبه كثيراً شقيقه بلال: "هذا عدا عن العذاب النفسي، فقد كان العميل حسن ياسين الذي جاء واعتقل أهلي، ينتظرني يومياً عند باب المدرسة ويصعدني معه في السيارة ويهددني، إما أن أقتلك وإما أن تخبرني ماذا يعمل أخوك؟ ومن أين يأتي المقاومون إلى القرية؟ وكان العملاء يوجهون الأضواء على شبابيك المنزل ليلاً ويأتون بالكلاب لتهجم على الأبواب". 

وعلى الرغم من كل المضايقات التي تعرض لها، لم يغادر نشأت القرية حتى بعد أن أرسل بقية إخوته إلى بيروت ليبقى المسؤول عن زيارة أهله في المعتقل، لكن: "عندما استشهد عماد في العام نفسه قال لي شاب أثق به أن أهرب من القرية بل عرض علي أن يأتي ويهربني بالوادي في حال لم أجد سائقاً.

لم أعرف لماذا طلب مني الهرب، لكني سمعت كلامه ونزلت مع سائق من البلدة اسمه حسين سعيد حيدر، وفي بيروت عرفت أن عماد استشهد في عملية، وعلمت لاحقاً أن العملاء جاؤوا وسألوا عني واعتقلوا السائق مدة أسبوع في موقع الطيبة.

لم يعرف هلال وبلال والوالد أن عماد استشهد، يروي هلال هذه المرة: "لم أر بلال في المعتقل إلا مرة واحدة ولدقائق. كنا في غرفة الشمس، سلمنا على بعض وسألني إذا كنت اعترفت عن عمله في المقاومة وعن أمور محددة، فقلت له لا، هذه الأمور لم أعترف بها، فقال لي جيد، لا تعترف لأحد حتى لا تزيد مدة اعتقالك".
 

انتفاضة الخيام

     بقي هلال في المعتقل سنة وشهرين، ووالده سنة وأربعة أشهر ثم أبعدا إلى بيروت، ليبقى بلال في المعتقل، ويكون الأسرى المحررون مصدر تقصي المعلومات عنه، تقول لينا: "كنا نسمع أنه لا يرضخ للعملاء داخل المعتقل، على الرغم من أنه كان يتعرض كثيراً للتعذيب، وقالوا لنا إنه حاول مرة قتل أحد السجانين بيديه بعد أن استدرجه إلى داخل الزنزانة لولا الوشاية به، لذلك عندما سمعنا بحصول انتفاضة في المعتقل في 26 تشرين الأول 1989 واستشهاد شابين، شعرنا أن بلال أحدهما. وروى لنا الأسرى المحررون لاحقاً أنه كان في مقدمة الأسرى الذين قاموا بالانتفاضة مطالبين بتحسين ظروفهم، وقد عذبوا الأسرى بداية بشكل منفرد قبل أن يدخلوهم إلى الزنازين. ورمى العميل انطوان الحايك قنبلة سامة على باب الزنزانة التي كان فيها الشهيدان بلال وابراهيم أبو العزة".

يختنق صوت لينا، لكنها تتابع مغالبة الدموع: "ربنا كان بدو يبرد قلبنا، استشهد بلال يوم سبت وهو يوم عطلة عند اليهود فتصرف العملاء من تلقاء نفسهم وأرسلوا الجثة إلى عمتي في القرية التي رفضت أن تدفنها من دون أن نودعه فأرسلت الجثة إلى بيروت عبر الصليب الأحمر"، يختفي صوتها قبل أن تتابع: "جاءت وسائل الإعلام وصورت آثار التعذيب على جسده ما أظهر وحشية الاسرائيلين وعملائهم الذين عوقبوا لاحقاً لأنهم سمحوا بإرسال الجثة إلى بيروت كما تردد".

لم تقتصر معاناة العائلة على استشهاد شابين في مقتبل العمر، واعتقال أربعة منها وإبعادهم عن القرية إلى حزام البؤس المحيط في بيروت حيث عاشوا ظروفاً ضيقة، ودائماً لينا هي التي تتحدث: "مهما حكينا لا يمكن أن نصف العذاب الذي عشناه. حتى البابا الذي كان موظفاً في 

شركة المياه توقف راتبه لأن الشركة لم تعد تعمل. وقد كان بلال يده اليمنى يساعده في كل شيء حتى في تمديد قساطل المياه، وقد توفي مريضاً في بيروت ولم ير القرية".

تضيف: "كنا عائلة مستهدفة. لم يكفهم كل ما فعلوه، سرقوا السيارتين والأبواب والشبابيك، وحتى البلاط نزعوه وما لم يستطيعوا نزعه رشوه بزيت السيارات كي لا يبقى صالحاً للاستعمال".
 

التحرير

     فرحت العائلة كثيراً بالتحرير لكن أم جهاد لم تعد مباشرة إلى القرية: "ما كان إلي عين إرجع، استشهدوا أولادي وزوجي مات..".

تصمت ولا تكمل، تبادر لينا: "التحرير حلو ومر، حلو لأن دم الشهداء لم يذهب هدراً لكنه مر لأن الفراق صعب خصوصاً أننا وبعد عودتنا صرنا نتذكرهم أكثر، أين كنا نلعب وماذا كنا نتحدث، لكننا نقول دائماً الحمد لله".
هذا الحديث يثلج قلب الأم، فتحكي للمرة الأولى بفرح وكأنها عادت للعيش معهما، من جديد: "بلال كان طاهراً ومؤمناً، لما كنت أخبز كان يحمل لي اللكن (وعاء كبير للعجين) على رأسه وكان يساعدني في عمل البيت، أما عماد فكان أحلى وأحلى، لا يخلع قطعة من ثيابه إلا ويرتبها بيده...."،
 

العملاء

     لكن، يحكي نشأت: "قدم شقيقاي زهرة شبابهما فداء للوطن وعوض أن تكافأهما الدولة كانت النتيجة الإفراج عن قاتل الشهيد بلال في المعتقل، بالإضافة إلى مكافأة معظم المتعاملين".

الحديث عن المتعاملين يفتح جراحاً لدى العائلة التي كانت الوحيدة التي طالبت بمحاكمتهم، خصوصاً أن لديها أدلة تثبت هوية القاتل: "قاتل الشهيد بلال معروف، عندما ألقت الدولة اللبنانية القبض على المتعاملين الذين كانوا في الخيام اعترفوا بأن انطوان الحايك هو الذي رمى القنبلة أمام زنزانة الشهيد بلال، وقد حكم عليه بالإعدام لكن أسقط الحكم بذريعة مرور الزمن العشري مع العلم إن الحايك يقيم في بيروت منذ العام 1991 وعوضاً عن معاقبته في حينه كرمته الدولة اللبنانية ووظفته شرطياً للسير وبقي يتقاضى راتبه من الأمن الداخلي حتى العام 2000. وهو لم يقتل بلال فقط، وإنما عذب عشرات المعتقلين فهل دماء الشهداء رخيصة إلى هذا الحد وهل هكذا يطلبون منا الدفاع عن أرضنا إذا احتلت مرة ثانية؟" 

تتدخل الأم: "كنا على أساس مفكرين رح يزعبوا العملاء من القرى، ما حدا عمل شي، بيروحوا وبيجوا بالضيعة مثل الأسياد وبيتصدروا المناسبات الاجتماعية، بس أنا قلت للولاد ما يحكوا شي، شو منكون كبش محرقة دايماً؟"

على مضض يوافق أفراد العائلة الأم رأيها، إلا أن هلال يؤكد: "نحن لن نسكت عن حقنا في ملاحقة الحايك لأننا نملك أدلتنا ومستمرون في ملاحقة القضية في المحاكم، ونطلب من جميع العائلات أن تحذو حذونا لمحاكمة الجميع من دون استثناء".

§ وصـلات:

 

 
    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Op-Ed Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic