اسرائيل تعطل التحقيق حول مقتل الضابط الفرنسي
جان لوي فيليه قتل بقذيفة مسمارية مباشرة
السفير -- (الأربعاء، 26 كانون ثاني «يناير» 2005)
طارق ابو حمدان
فيليه في الوسط في لقاء اجتماعي قبل 24 ساعة من مقتله وإلى يساره زميله السويدي
يجهد جيش الاحتلال الاسرائيلي وعبر خطة منسقة ومدروسة لطمس معالم الجريمة التي ارتكبها في التاسع من الشهر الجاري ضد فريق تابع لمراقبي الهدنة الدولية، أسفرت عن مقتل الضابط الفرنسي جان لوي فيليه وجرح زميله السويدي دينز غوريانيوس في منطقة بسطرة وعلى مسافة كلم واحد شمالي مزارع شبعا المحتلة، بغية إبعاد الشبهة عن آلته العسكرية وتضليل الرأي العام الدولي بشكل عام والفرنسي بشكل خاص؛ وهو الذي نسب ما حصل الى الوضع العسكري الذي استجد فجأة في أعقاب هجوم ل”حزب الله” على أهداف اسرائيلية في تلك المنطقة. 

كافة الدلائل الميدانية في هذه الحادثة تشير الى المسؤولية الاسرائيلية المباشرة في استهداف دورية المراقبين الدوليين. وهذه الوقائع يؤكدها شهود عيان بينهم الضابط السويدي والمترجم اللبناني اللذان نجيا بأعجوبة. ويعززها السلاح والقذائف المستعملة في الاعتداء وخطة جيش الاحتلال بمنع فريق الانقاذ لتابع للقوة الهندية من الوصول الى المصابين، الا بعد مرور حوالي 3 ساعات. على الرغم من الاتصالات المكثفة التي أجرتها قيادة قوات الطوارىء في الناقورة وقيادة المراقبين الدوليين من القدس.

يضاف الى كل هذا المراوغات التي لا يزال يلجأ اليها جيش الاحتلال الاسرائيلي في إعاقة ومنع فريق التحقيق الدولي، الذي شكل من ضباط في قيادتي القوات الدولية وفريق مراقبي الهدنة، من الوصول الى مكان وقوع الحادث بهدف أعداد تقرير ميداني يزيل الغموض ويحدد بشكل نهائي وقاطع الجهة التي أطلقت النار. فجيش الاحتلال يلجأ ومنذ التاسع من الشهر الجاري تاريخ وقوع الحادثة الى التذرع بعدة أسباب للحؤول دون إنجاز هذا الفريق المهمة الموكولة إليه. ومن بين هذه الذرائع، على سبيل المثال لا الحصر، الوضع الأمني ووجود مسلحين وتبادل قصف وتوتر وتصعيد تجعل الوصول الى بسطرة محفوفا بالخطر، علما بأنه كانت هناك أكثر من 10 محاولات لهذا الفريق في التوجه الى المكان، أحبطتها هذه الذرائع، فعند كل محاولة كانت القيادة الإسرائيلية تلجأ الى حجة ما توقف تقدم الفريق عند منتصف الطريق طالبة اليه التريث بانتظار تحسن الأوضاع العسكرية ولغة التريث هذه مستمرة ومتواصلة حتى الساعة. 

كافة المعطيات المتوفرة تشير الى أن جيش الاحتلال يسعى الى عرقلة التحقيق الدولي في هذه الحادثة، ليتملص من مسؤوليته المباشرة فيها، خاصة في ظل المعلن من قبل الطرف الفرنسي والذي لا يزال يبرىء إسرائيل محاولا وضع المسألة عند الطرف الآخر.

وفي الحسابات الإسرائيلية فإن إجراء التحقيق الميداني من قبل فريق دولي متخصص سيحملها المسؤولية الكاملة من دون أدنى شك، عندها ستبدل حتما فرنسا وكافة الدول المشاركة في القوات الدولية وفي فريق المراقبين قناعاتها لتعود وتلصق التهمة بجيش الاحتلال دون مواربة، خاصة أن كل المعطيات والدلائل تحمل اسرائيل كامل المسؤولية، فمن بقي حيا من الفريق المستهدف يردد بفم ملآن أنه ظهر ذلك اليوم في التاسع من الجاري وبعيد وصول الفريق الى نقطة محددة ومعروفة ومتفق عليها بين كافة الأطراف المعنية وسط مزرعة بسطرة، أوقف الفريق سيارته التي ترفع علم الأمم المتحدة ليترجل منها الجميع أي الضابطان الفرنسي والسويدي والمترجم اللبناني، الذين ابتعدوا عن السيارة جنوبا مسافة متفق عليها أيضا ومحددة ب6 أمتار. ومن هناك باشروا أعمال المراقبة الروتينية شبه اليومية، لكن في هذه اللحظات كان ما لم يكن بالحسبان بحيث تحركت دبابة ميركافا إسرائيلية من داخل موقع تلة الظهرة، لتتمركز قبالة مزرعة بسطرة، تحت نظر الفريق الذي رصد حركتها بكل دقة ووضوح، لكن المفاجأة حصلت عندما أطلقت هذه الدبابة عدة قذائف مباشرة باتجاه نقطة تواجد الفريق الدولي، الذي أصيب بالقذيفة الأولى فقتل الضابط الفرنسي على الفور وجرح رفيقه. وأتبعت القذائف المباشرة هذه بأخرى من نوع هاون أضافة الى رشقات رشاشة ثقيلة من موقعي رمتا وفشكول. وتؤكد المعلومات أن الضابط الفرنسي أصيب بأكثر من 18 مسمارا، كما اصيب الضابط السويدي ب5 مسامير لم تكن قاتلة .

وهنا تبدو بوضوح نوعية القذائف المستعملة وهي مسمارية وتطلق عادة من الدبابات الإسرائيلية نوع ميركافا، التي لا يملك حزب الله مثيلا لها وهذا دليل ثابت ودامغ يضع المسؤولية أولا وأخيرا عند الجانب الإسرائيلي. وعندها تكمن سر المحاولات الإسرائيلية الجاهدة في عدم وضع هذه الحقائق ضمن تقرير يحمل توقيع دولي رسمي يدين الدولة العبرية، فهو يلجأ الى التملص من ذلك عبر كسب أطول فترة من الوقت، علّ العوامل الطبيعة خاصة الأمطار والسيول وعشرات القذائف التي تستهدف المكان يوميا ومن اتجاهات متعددة لتغيير بعض معالم الحفر والشظايا التي تحدثها تساهم في أخفاء بعض الدلائل وتضليل التحقيق أو تحد من مصداقيته. 

ويبقى السؤال هل سينجح جيش الاحتلال في طمس الحقائق حول هذه الحادثة، أم ستتمكن لجنة التحقيق الدولية من كشف كافة الملابسات وتحميل الدولة العبرية مسؤولية دم الضابط الفرنسي وفضح ممارساتها أمام الرأي العام الدولي؟
§ وصـلات: