فتيات في عمر الورود
«يقطفن» الألغام ويزرعن الأمان
السفير -- (الأربعاء، 4 نيسان «أبريل» 2007)
حسين سعد
إحدى الفتيات تعمل على البحث عن الألغام
«ينتابنا شعور مختلف عندما نعثر على القنابل العنقودية. هي مهنة محفوفة بالمخاطر، لكن الأهم بالنسبة إلينا هو رفع هذا الكابوس الذي يطارد أهلنا...». هذا ما تخلص إليه ست فتيات، بعمر الورود، قررن بعزيمة وجرأة الانخراط في فرق نزع القنابل العنقودية.

لا تجد الفتيات، الآتيات من أعمال ومهن سابقة، أي عائق أمام طموحهن للمساهمة في رفع خطورة القنابل التي أودت حتى الآن بحياة 30 شخصاً، من المدنيين والعسكريين، بالإضافة إلى عشرات الإصابات.
في اليوم العالمي للتوعية من مخاطر الألغام، الذي تحييه الهيئات المعنية بالألغام في لبنان للعام الثاني على التوالي، تأمل الفتيات اللواتي «ينبشن» الأرض بآلاتهن وأيديهن، في منطقة المعلية ـ جنوب صور، أن تثمر الأعمال في التخلص من هذه الآفة. وقد تمّ اختيار الفتيات وفقاً لاختبارات، أجرتها الهيئة السويدية للإغاثة، من بين أكثر من ثلاثين شابة تقدمن للعمل في إزالة القنابل العنقودية.

بدأت الفتيات الست عملهن الميداني قبل أكثر من شهر، وذلك في أحد بساتين الحمضيات في سهل المعلية، بعد الخضوع لدورة تدريبية استمرت ثلاثة أسابيع. لم تجد رحيل كوراني (من ياطر) أي عائق دون قيامها بهذه المهمة المحفوفة بالمخاطر: «كنت أفكر في العمل على إزالة القنابل العنقودية قبل أن أعرف بأن الهيئة السويدية للإغاثة قد فتحت المجال أمام الفتيات للعمل ضمن فرقها. وبعدما عرفت بالأمر، تقدّمت بطلب وتمّ القبول بي». تضيف كوراني: «الناس مندفعون جداً ويريدون التخلص من القنابل بأي وسيلة، فكيف إذا تم الأمر على أيدينا نحن؟».

الحماسة عند كوراني هي ذاتها عند فاطمة حمادي (من قانا)، والتي لا تجد وصفاً لشعورها عندما تجد القنبلة ثم تنكب على نزعها: «لم أواجه اعتراضاً من قبل الأهل، بل إنهم شجعوني على الخوض في هذا العمل، الذي يتعدى الوظيفة والأجر، إلى الانتماء الوطني». وتتابع حمادي: «لم يتغير شيء في حياتي، والناس من حولنا معجبون بمهمتنا التي تشتمل على جانب إنساني كبير». هذه الرغبة والاندفاعة في العمل تبدو هي نفسها عند زينب عطوي (من بنت جبيل)، التي تركت العمل في إحدى الشركات من أجل الانخراط في إزالة الألغام. تقول إن «هذا العمل يشدّني، وهو ليس حكراً على جنس واحد من البشر، خصوصاً إذا كان العمل يخدم الناس ويرفع عنهم الأذى والخطر»، مؤكدة بأن الفريق النسائي الذي انخرطت فيه يعامل بطريقة جيدة من قبل المشرفين السويديين واللبنانيين على حد سواء: «كلما مر يوم ازداد شعوري بالفرح، لأني أتمكن من التخفيف من خطر القنابل».

أما زينب مهنا (جبال البطم)، فلا تجد سوءاً في تزاوج العمل الإنساني مع الهدف الاقتصادي من حيث هو فرصة عمل تؤمن لها سبعمئة دولار. لكنها، في المقابل، ترى أن إزالة القنابل العنقودية تعدّ من المهمات الوطنية الكبيرة بالنسبة إلى الجنوبيين الذين يتعرضون يومياً إلى غدر مخلفات العدو الإسرائيلي، مشيرة إلى أنها لم تصطدم بأي مشكلة بسبب قرارها ممارسة هذا العمل. وتشاطر هناء قرياني (برج رحال) زميلاتها في الأهداف والمشاعر التي تنتابهن وهن يعملن على إزالة القنابل من محيط المنازل والبساتين التي «تحرم على أصحابها» هذه الأيام: «عملنا رائع، لأنه يعطي نتائج مباشرة، لا سيما بالنسبة إلى أهلنا الذين تروعهم القنابل العنقودية. كما أن النظرة العامة إلينا تؤكد احترام الجميع وتقديرهم لجهودنا».

يقول أحد المشرفين على المشروع في الهيئة السويدية للإغاثة، كورن نانسون: «نحن نحترم الشعب اللبناني، والفتيات جزء من هذا الشعب الذي يعاني من مشكلة القنابل نحن فخورون بهن، لا سيما أنهن يعملن باحتراف وذكاء».

يردد صلاح عون، الذي تعمل الصبايا على «تنظيف» بستانه في منطقة المعلية من الألغام، الأمر نفسه: هو فخور بنشاط فريق الشابات، اللواتي يبذلن جهوداً تفوق طاقتهن الجسدية من أجل نزع قنابل الموت وإعادة الإحساس بالأمان لأصحاب البساتين والعمال: «أشعر بفرح عندما أراهن ينزعن القنابل بأياديهن الطرية».
§ وصـلات: