2001/02/6


Assafir


 <<السفير>> تفتح ملف الأسرى المحررين
رضوان بزي: يصوم بالأجرة ليؤمن قوته

 عبير جابر



ليس زمن الصوم في أيامنا هذه، وشهر رمضان انقضى منذ فترة، والأيام ليست من المستحبات التي يصومها المؤمنون، كما ان رضوان لا يقضي أياما فاته صيامها لكنه يُداوم منذ شهر تقريبا على الصيام واستطاع ان يُنهي الأيام <<الموكلة>> إليه بنجاح بعدما <<أعطي لي هذا الشهر لأصومه لقاء أجر مادي، من قبل شيخ وذلك بناء على وصية أحد الاشخاص المتوفين>>، يوضح الحاج أبو محمد بزي كما يناديه أهله وجيرانه.
وأبو محمد، الأسير المحرر منذ العام 1986، اهتدى الى هذه الفكرة عندما كان يتلقى دروسه الدينية قبل اعتقاله، ولجأ الى تنفيذها فور خروجه من الأسر، فبعدما ضاقت به السبل لم يجد أمامه سوى اللجوء الى كسب رزقه عبر الصيام عن المتوفين، <<يومها اضطررت بسبب وضعي ان آخذ شهرا وأصومه، الله يحب السترة وحتى لا أحتاج لأحد لم يكن أمامي من سبيل غير هذه الفكرة>>.
ولأن <<مصلحته>> كانت في صناعة الاحذية وهي <<مصلحة تعبانة بسبب المضاربات الاجنبية رجعت اليوم، أصوم حتى أؤمن لقمة عيشي وربنا بيسّرها للمؤمن>>.
عندما لم يوفق أبو محمد في الحصول على عمل يمكنه من إعالة أسرته المؤلفة من أربعة أطفال، عاد الى الوسيلة القديمة <<صحيح ان ما نتقاضاه ليس كثيرا لكنه يسند قليلا وهكذا أكسب أجرا، خاصة ان من يُعطى أياما ليصومها يجب ان يكون ملتزما وقادرا>>.
أمضى رضوان ثلاث سنوات ونصف السنة من عمره في المعتقلات الاسرائيلية، ولأنه من المعتقلين الذين أسروا لفترة تقل عن خمس سنوات، وخرج قبل العام 1991 فإنه يعاني كما رفاقه من عدم أحقية التعويضات التي تعطى لهم <<إسرائيل تعوّض على عملائها بآلاف الدولارات، نحن يقولون عنا <<أبطال>> والدولة لم تكرمنا ولو باحتفال صغير>>، وليس هذا ما يحزّ في نفسه فقط <<يتحدثون عنا وعن أننا سندخل التاريخ فماذا فعلوا لنا؟ إذا متنا سننال وساما؟ ليساعدونا في حياتنا أفضل>>.
ويحاول رضوان ان يستعيد ترابط أفكاره ليتذكر ما لاقاه أهله ليعثروا عليه <<فتشوا عني في كل مكان حتى وجدوني في المعتقل بعدما دلّهم أحد العملاء على مكاني، وهذا كان أكبر دليل على أنني كنت ضحية <<دزّة>>>>.
وقصته التي بدأت قبل اعتقاله بقليل كانت ترسم الكثير من ملامح ما وصل اليه اليوم، ففي فترة الاجتياح الاسرائيلي، كان رضوان يشاهد دخول الجيش الاسرائيلي الى بيروت من سطح أحد الابنية عندما بدأوا يطلقون النار عليه وعلى رفاقه <<هربنا فحاولت الاحتماء في <<منور>> المصعد، وكان البناء مؤلفا من أحد عشر طابقا، فوقعت>>. وحاول أبو محمد التخفيف من حدة سقوطه عبر البحث عن شيء يتمسك به، لكنه كان يتهاوى ويرتطم بالجدران <<لا تزال الآثار ظاهرة في جسمي حتى اليوم>>.
<<في ذلك اليوم ظنوا أنني مت فوضعوني في البراد في مستشفى عكا، لكن أخي أخرجني من هناك ونقلني الى مستشفى آخر حيث عالجوني، وبعد خروجي ذهبت الى منزل أهلي في بنت جبيل>>.
وأثناء تنقلاته بين بيروت وبين قريته الجنوبية أوقف رضوان على معبر باتر في تشرين الثاني من العام
1982، وعندما حاول الهرب <<حاصروني من كل جهة وقال لي أحدهم <<مخرب>>، فتعاركت معهم لكنهم بدأوا يطلقون النار حولي>>.
وأمضى فترة في زنزانة في باتر، <<لم أكن أعرف أي يوم نحن، كان اليوم يمرّ عليّ كالسنة، قبل ان ينقلوني إلى جزين>>.
وكما هي حال الأسرى والمعتقلين طُبقت على رضوان كافة طقوس الاعتقال: <<ضرب، خبيط، تعذيب، الكيس بالراس وكتير اشيا إذا بدي خبرك ما بخلّص>>.
ومن جزين الى <<زنازين الروجيه>> في النبطية، هناك الناس متل النمل، لم أكن أعرف أين أنا إلا من المعتقلين، كانوا يضعونني في صندوق السيارة وينقلوني من سجن لآخر>>.
وأكثر مشهد يتوقف عنده رضوان هو <<الأكياس التي يضعوها في رأسنا وللأيدي المربوطة بالبلاستيك والدماء التي تسيل منها، عانينا كثيرا هناك>>.
ولم تكتمل <<معمودية>> رضوان إلا بانتقاله الى معتقل الخيام الذي أنهى فيه سنوات اعتقاله <<بعد ان نقلت من السجن الانفرادي وضعوني في سجن مع مجموعة معتقلين، كنا نتفق على كل شيء، ونتقاسم أفراحنا وأتراحنا>>.
ولا ينسى أبو محمد كيف كان يمرر <<كتب الصلاة والآيات القرآنية. من تحت باب الزنزانة كنا نضع ما نريد تهريبه ونمرر الورقة من باب لآخر، ومرة ألقوا القبض علينا عندما هرّبنا <<شهادة الموت>> فعرف المسؤول أنني أنا مصدرها فاستدعاني للتحقيق وقد ظن أنني سأقوم بعملية انتحارية لا سيما وان شهادة الموت تتلى قبلها لكنني أوضحت له أنها أمر آخر مختلف عما فهمه>>.
خرج أبو محمد من المعتقل وهو يسأل: <<هل سيكتب التاريخ ان لبنان كرّم أسراه أم ستلحقه وصمة عار لأنه تركهم يبحثون عمّن يساعدهم لتأمين لقمة عيشهم او يُعطيهم شهر صيام مأجور؟

 

 

 

 

bintjbeil.com English bintjbeil.com Arabic

 

| بريد بنت جبيل |  |  دار الحوار |  | كتاب الزوار |  |  إتصل بنا |