القوزح
ظلمها الاحتلال ولم تنصفها الدولة
لا مدرسة رسـمية، لا طرق لا طـبـيب

النهار (السبت، 1 حزيران 2002)

الدكتور بطرس لبكي


على تلة تشرف على هضاب الجليل الاعلى من الشمال، والتخوم الغربية لقضاء بنت جبيل، وعلى مسافة 3 كيلومترات من خط الهدنة، تقع قرية القوزح. تصعد اليها من مفترق على الطريق التي تربط الناقورة برميش وبنت جبيل، بين قريتي رامية وعيتا الشعب. ارتفاعها عن سطح البحر سبعماية متر، وتبعد عن بيروت ماية وثلاثين كيلومترا، وعن صيدا ستة وثمانين وعن بنت جبيل (مركز القضاء) واحدا وعشرين كيلومترا. 

فيها القليل من البيوت الحديثة المبنية بالخفان، اما الباقي فمن الحجر الكلسي الابيض، بناؤها قديم، منها ما لا تزال سطوحها ترابية تقوم على جذوع الشجر. خمسا البيوت المسكونة غير مجهزة بمطابخ وحمامات وتمديدات كهربائية داخلية. المبنى الوحيد المغطى بالقرميد هو كنيسة مار يوسف الجديدة، التي بنيت في الثلاثينات. 

في مطالع السبعينات كانت القوزح تعد ثمانين بيتا، والان، بعد ثلاثين عاما من الحروب وربع قرن من الاحتلال، لم يعد في القوزح الا اربعين بيتا مسكونا في شكل دائم وثماني بيوت مهدومة، وعشرات الخرائب، وعشرة بيوت مسكونة في شكل متقطع. 

في مطلع السبعينات كان عدد اهالي القوزح سبعماية نسمة، اما الآن فاصبح الفا ومئتي نسمة يقطنون القرية، وجلهم من المسنين والنساء الارامل والاولاد. 

عدد المغتربين لا يتجاوز الثمانين شخصا، في اميركا وفرنسا والمانيا واوستراليا، وقد هاجر معظمهم اثناء الحرب. وقبل الحرب هاجر البعض الى افريقيا، اما باقي السكان، اي حوالى تسعمئة نسمة، فقد نزحوا الى بيروت وضواحيها مع الحرب والاحتلال وقلة موارد الرزق. اسرة واحدة موجودة في اسرائيل، اضافة الى شاب وشابة. وهنالك سبعة ارباب اسر لا يزالون في السجن، واسرهم من دون معيل. 

يتألف سكان القوزح من سبع عائلات: ابو الياس، الفلفلي، ابو كرم، الحايك، رزق، صعب، نجم ويوسف. 

بشرياً واجتماعياً 

النشاط الاقتصادي محدود جدا، بسبب طغيان المسنين، والاسر بلا معيل في القرية (الاباء متوفون او مسجونون). 

- في مجال الزراعة والانتاج الحيواني يمكن تلخيص الوضع بالآتي: 

هناك الان سبع رخص لزراعة التبغ، تنتج 2.5 طن من التبغ، بينما كانت القوزح تنتج خمسة اطنان قبل الحرب، وهناك شخص واحد يملك قطيعا من الماعز وشخص يملك بقرة واحدة. 

- في مجال التجارة والخدمات: هناك ثلاثة "كشات" لبيع السمانة، ولا محلات تجارية، لأن لا قوة شرائية كافية في القرية. وهناك كاراجان لحدادة السيارات، ومحطة بنزين على مفترق الطريق المؤدية الى القرية. 

- موظفان في القطاع العام: استاذ في التعليم الرسمي ومأمور نفوس بنت جبيل. 

- معظم الاراضي غير مزروعة، وقد غزت بعضها النباتات البرية وبارت كروم التين والعنب وزراعة القمح (كانت القوزح تنتج 100 طن من القمح قبل الحرب). 

من الواضح ان مظم سكان القوزح هم في حال من الفقر المدقع: العديد من الاسر بلا معيل، كذلك الامر بالنسبة الى عدد من المسنين. البطالة متفشية، لا مدارس في القوزح، حكومية او خاصة. هناك غرفتان بجانب الكنيسة كانتا تستعملان لتعليم الاولاد قبل الحرب، في اطار مدرسة رسمية ابتدائية مختلطة. اغلقت المدرسة، فاضطرت هذه الاسر المقيمة الفقيرة الى ارسال اولادها للتعلم في القرى المجاورة، متحملة نفقات النقل والتعليم. 

الوضع الصحي في القرية سيئ: لا طبيب، ولا صيدلية، ولا مستوصف حكوميا او خاصا، ولا رقابة صحية، وهناك عدد من الاعاقات، خاصة بين الاولاد. كانت هناك قبل الحرب "جمعية خيرية لاهالي القوزح"، لم يعد لها من اثر الآن. 

وانتخبت القوزح منذ بضعة اشهر مختارا، ومجلسا اختياريا مؤلفا من ثلاثة اعضاء، ينشطون لصالح القرية. 

لا خدمات 

احد "شوارع" القرية

لم تصل الطريق الى القوزح الا عام ،1970 بعد ان قاطع الاهالي الانتخابات النيابية في تلك الآونة احتجاجا، وقبل ذلك كان الاهالي ينقلون المرضى على السلالم والفرش لايصالهم الى الطريق العامة على بعد 3 كيلومترات من القرية. 

مياه الشرب مؤمنة بواسطة بئر حفرها مجلس الجنوب. شبكة الهاتف الثابت غير موجودة، وكذلك مكتب البريد. 

بقية خدمات الدولة غائبة: لا قروض ميسرة لتنشيط الزراعة والانتاج الحيواني والصناعة والبناء وغيرها. ولا نشاط للمشروع الاخضر ووزارة الزراعة (توزيع نصوب او أدوية وشتول)، كذلك لا مدرسة رسمية ولا مستوصف او مركز صحي اجتماعي لوزارتي الصحة او الشؤون الاجتماعية. مجلس الجنوب، الذي أغدق خيراته على القرى المجاورة من مساعدات الى الأسر التي لا معيل لها، الى ترميم مساكن وبناء أخرى جديدة، كان دعمه للقوزح "بالقطارة": لم يحصل الاهالي على عشر ما حصل عليه جيرانهم من مساعدات للترميم وبناء المساكن والمستوصفات، وغيرها من التجهيزات العامة والمساعدات للأفراد والأسر. القرى المجاورة ورش قائمة والقوزح ترزح تحت نير الاهمال وكأنها ليست من هذا الوطن ومحكوم عليها بالخراب والنزوح والتفرج على المستعمرات الاسرائيلية المزدهرة عمرانا واخضرارا والواقعة تحت النظر من اعالي تلال القوزح. هذا ما يحز في قلوب اهالي القرية، لذلك لا عجب في ان يعمد بعض الاهالي الى بيع أراضيه لتأمين لقمة العيش. 

طاقات القوزح 

تزخر القوزح بالطاقات البشرية التي لا يستهان بها، نذكر بعضها الناشط في بيروت وضواحيها والمغتربات: 

- هناك خمسة أطباء صحة وأسنان من القوزح (في فرنسا واميركا وبيروت وضواحيها). 

- هناك مهندسان مدنيان وواحد معماري واثنان كهربائيان في بيروت وضواحيها. 

- هناك مهنيون في عدد من الاختصاصات الصناعية والخدماتية: كالكهرباء والحدادة والخياطة والبناء وبعض الصناعات والمجالات التجارية، وغيرها من نشاطات الخدمات الصحية والزراعية والانتاج الحيواني. 

هناك استاذ في التعليم الثانوي الخاص. مدير مدرسة رسمية من القوزح في بيروت. ضابط ذو رتبة عالية في الجيش وضابط متقاعد في الدرك. مدير تحرير لأسبوعية معروفة. محاميان. 

وهناك المؤرخ الاب الدكتور كرم رزق رئيس جامعة الروح القدس - الكسليك. 

في بيروت وضواحيها ثمة اصحاب مصانع ومحترفات من ابناء القوزح في مجالات مختلفة (المواد الغذائية، جزادين الجلد، الالبسة الخ...) وكذلك في مجال التجارة على انواعها (خرضوات، اسماك، وكالات فبارك الخ...). 

وهناك طاقات طبيعية وتراثية لا يستهان بها: ألوف الدونمات الصالحة للزراعة والتحريج، كون القرية ذات موقع جغرافي متميز مشرف على المنطقة ومناسب للنشاط السياحي وللاصطياف، اضافة الى آثار عدة كالنواويس المحفورة في الصخور، وقد نقب عنها المحتلون الاسرائيليون، وبعضها بارز في أساسات الكنيسة القديمة وجدران البيوت. وتذكر المراجع التاريخية ان القوزح كانت مصيفا لبعض الملوك الرومان. 

أين الحل؟ 

يتحمل مسؤولية الوضع الحالي طرفان: الدولة والاهالي. 

المسؤولية الاولى تقع على أكثرية اجهزة الدولة التي أهملت هذه القرية النائية من دون اي مبرر (مجلس الجنوب، وزارة التربية، وزارة الصحة، وزارة الزراعة، وزارة الشؤون الاجتماعية، وزارة الاتصالات، المؤسسات الانمائية والتجهيزية العامة...). 

فعلى مجلس الجنوب ان يساعد اهالي القوزح على ترميم بيوتهم واعادة اعمار ما تهدم وبناء بيوت للشباب كما فعل ويفعل في سائر قرى الجنوب. وهذا هو الطريق نحو النهوض. لا تنمية من دون سكان وسواعد شابة تعمل. وكيف لها ان تعود الى القرية وتعمل بلا سكن؟ 

- وعلى وزارة التربية ان تعيد بناء المدرسة الرسمية ليستطيع اولاد القوزح التعلم. كما على وزارتي الصحة والشؤون الاجتماعية مساعدة هذه القرية المنكوبة بمستوصف او مركز صحي اجتماعي يهتم بصحة الاطفال والكبار المعدمين. 

كذلك على وزارة الزراعة ان تمد الاهالي بخدمات المشروع الاخضر ليعيدوا زراعة اراضيهم من خلال استصلاح الاراضي وانشاء خزانات المياه والطرق الزراعية. ومد الاهالي بنصوب الزيتون الممتازة المنتجة في مشتل صور وغيرها من النصوب والادوية الزراعية كسائر المزارعين. 

واخيراً على وزارة الاتصالات ان تسرع في مد شبكة الهاتف الثابت الى القوزح لوصلها بالعالم الخارجي، وتمكينها من تنشيط اقتصادها. وتقع ايضاً مسؤولية مهمة على الاهالي، المغتربين منهم وخاصة المقيمين في بيروت وضواحيها: 

- على الصعيد الاجتماعي: اعادة تحريك الجمعية الخيرية لاهالي القوزح لتقوم بمساعدة المعوزين الكثر بين المقيمين، او القيام بمبادرات اخرى في الاتجاه عينه. 

وقد قام بعض الاهالي بمبادرات مشكورة في هذا الاتجاه بالتعاون مع مؤسسات متنوعة. 

- على الصعيد الاقتصادي: اعادة النشاط الى الزراعة (وقد لاحظنا بدايات لزراعات حديثة لنصوب زيتون واشجار مثمرة اخرى) وكذلك الصناعة، كما ان هناك بعض المشاريع لتطوير الخدمات في مجالات النقل وغيرها. وثمة مشاريع اخرى في مجالات الخدمات المتنوعة والزراعة والحرف والانتاج الحيواني قيد الاعداد لدى بعض الاهالي. والى جانب مشاريع المساكن التي بنيت هياكل من الباطون وحجار الخفان وتوقفت، هناك عدد صغير جداً من المساكن قيد التشييد. وهذا عنصر مشجع. هناك مجالات عديدة للنشاط الاقتصادي في القوزح في الزراعة والانتاج الحيواني وكذلك في الصناعات والحرف والخدمات المتنوعة. والتمويل الميسر متوافر كما يعلم الجميع. 

- على صعيد الشأن العام: متابعة مطالب القرية المحقة، خاصة لدى مجلس الجنوب ليقوم بواجبه في المساعدة على الترميم واكمال البناء، والبناء الجديد، والبنية التحتية الاجتماعية والصحية، ومساعدة الاسر المنكوبة وغيرها، اسوة بما يفعله مشكوراً في العديد من قرى الجنوب، وحثّ وزارة التربية وسائر الوزارات، الشؤون الاجتماعية، والاتصالات، والزراعة والصحة، على بذل بعض جهودها لانهاض هذه القرية، وقد شرع المسؤولون المحليون في القرية بنشاط في هذا المجال.

 

 

بلدات وقرى قضاء بنت جبيل

 
 

 
    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Guestbook Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic