الأسرى اللبنانيون في السجون الإسرائيلية

المعتقل والصمت والكلام

عبد الغريب بيضون
ثلاثة عشر عاماً في زنازين "الخيام"

بعد ان ضاع الحق في موطنه وضاع الفكر بين حامليه، اوجد الله اناسا منقبين عن الحق وعن الفكر السديد والمبدأ القويم على الطريق المستقيم. وشاء المولى جل وعلا ان يقضي هؤلاء بين اسر وجرح وشهادة. وما نرجو المولى هو ان نكون من هؤلاء القوم بعد فترة الاعتقال التي قضيناها في غياهب المعتقلات، معتقلات الظلم والجور، كيف لا و "اسرائيل" هي صاحبة هذه المعتقلات، تحظر علينا ان نقوم بواجبنا تجاه ارضنا المغتصبة، وتأبى علينا ان ندافع عن عزتنا وكرامتنا، وهيهات، هيهات منا ذلك.

اعتقلت في (1 تموز 1985) من بلدتي بنت جبيل، حيث كنت اقيم مع عائلتي، بسبب انتمائي الى المقاومة الاسلامية، حيث قدم احد العملاء الى منزلي وطلب مني الحضور الى مركز الامن.

في طريقي مع العميل المدجج بالسلاح شاهدت مجموعات من الامن منتشرة في البلدة من اجل تجميع الشباب "المشتبه بهم" حسب تعبيرهم، فاوقفوني ونقلوني مع الاخوة الذين تم تجميعهم في مركز الامن الكائن في ثكنة الـ(17) حيث كان بانتظارنا ضابط من المخابرات "الاسرائيلية" وعملاؤهم من اللبنانيين، فاصعدونا الى الطابق الثاني من المبنى. بمجرد دخولنا الى الغرفة بدأوا بوضع القيود في الايدي، الاكياس والعصبات على الاعين، والاغلال في الايدي. بدأوا بالشتم والسباب والضرب الناتج عن حقد مخزون في قلوب لا تعرف الرحمة، اولئك اللبنانيين المتصهينين الذين رضعوا حليب العمالة في مهدهم. كان ضربهم غير مركز، بل كان عشوائيا "يا رب تجي بعينو" !.

فرقونا كل واحد في غرفة من غرف التحقيق الذي بدأ معنا من قبل العملاء، وكان مرفقا باساليب التعذيب المتعددة، ومنها فنون الضرب والتعذيب بالكهرباء، ولم تفارق اسماعنا الشتائم والاهانات.

بعد ان انهوا التحقيق الاولي معنا وضعونا على شرفة في الهواء الطلق بلا كساء ولا ماء ولا طعام ولا مكان حتى لقضاء حاجاتنا، حتى ان البعض منا قضى حاجته في ملابسه. كان الحراس الذين وضعوهم علينا لا يعيروننا انتباها ولا اهمية، بل كانوا يدوسون على اجسادنا ورؤوسنا المعصوبة مع كل ذهاب واياب، الى ان اطل الصباح واشرقت الشمس المحرقة وارسلت علينا خيوطها اللاهبة.

عند العاشرة تقريبا انزلونا جميعا الى الباحة حيث نظمونا صفا وبدأوا بضربنا من جديد حتى وصلت بهم النذالة والحقارة ان بدأوا يبصقون في افواهنا المفتوحة عنوة، تحت ضغط العنف والقوة القاهرة، ثم وضعونا في سيارة عسكرية مغطاة بشادر ونقلونا الى مرجعيون بموكب مؤلل الى ان وصلنا الى ثكنة مرجعيون فنقلونا الى سيارة جيب ووضعوا بعضنا فوق بعض.

كان الجيب مكشوفا، وكان عددنا احد عشر فردا. نقلونا الى معتقل الخيام عن طريق (مرجعيون - الخيام) على مرأى ومسمع الاهالي لكي ينشروا الرعب والذعر في نفوسهم. وكانوا يمارسون ضدنا هذه الاساليب النفسية ظنا منهم بان يضعفوا نفوسنا، وهيهات منا ذلك، فبرغم كل ما فعلوه كانت نفوسنا تأبى ان تنزل الى مستوى التخاذل والهوان، وبقيت نبضات قلوبنا مرتفعة وعقولنا تذكر الشرفاء والاحرار وتهوى منازل الشهداء والابطال. كنا في كل لحظة تمر علينا نذكر فيها مصاب اهل البيت الاطهار، عليهم منا السلام وارواحنا لهم الفداء، اوليس الحق من قال: "لكم في رسول الله اسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الاخر". فصدق الله حيث نحن نرجو رضاه فنمشي كما يأمرنا. ونؤيد الحديث الذي يقول: "تشبهوا بالكرام وان لم تكونوا مثلهم"، واهل البيت هم اهل الكرم.

 وصل بنا الموكب الى معتقل الخيام وما ادراك ما معتقل الخيام، مقبرة الاحياء، مسلخ الابطال، معقل الشرفاء، منبع الاباء. انزلونا من سيارة الجيب بعنف، وصفونا على الحائط واعقاب البنادق على ظهورنا وبين اكتافنا والشتائم تنهمر علينا كزخ المطر. بدأوا يفتشوننا خوفا من ان يكون مع احدنا سلاح او ما شابه. الخوف منا حتى ونحن في وضع كهذا! بعد ان اجروا عملية التفتيش ابعدوا كل واحد منا عن الاخر واستدعونا الى التحقيق، الواحد تلو الاخر، والذي ينتهي دوره يعود الى الوقوف تحت اشعة الشمس. وبعد الحاحنا بجلب الماء لنشرب احضروا لكل واحد ربع كوب من الماء (كوب الشاي الصغير) وبقينا على هذا الوضع وقوفا حتى فجر اليوم التالي. حين جاء الامر بالجلوس على الارض. اغتنمت الفرصة لكي اعطي جسدي قسطا من الراحة وان كانت محصورة، وعندما تمددت جاء احد العملاء ووضع قدمه فوق رأسي وبدأ يمرغ وجهي بالتراب، حتى سال الدم من وجهي وانفي.

وعندما كنا نؤخذ الى التحقيق كانت الاكياس والعصبات على وجوهنا والقيود في ايدينا وارجلنا. وعندما نصل يأمر المحقق بان نركع على الارض ومن ثم يبدأ تحقيقه معنا والسوط في يديه، يمرره على كل اماكن جسدنا. وعندما كان يتعب هو من الجلد يضع اسلاك الكهرباء في ايدينا لتبدأ الصدمات الكهربائية اللاذعة مع سكب الماء على رؤوسنا. كانوا يضعون الاسلاك في اماكن من اجسامنا لن اخجل من ذكرها حتى يعلم العالم من هي "اسرائيل" ومن هم عملاؤها. والاماكن هي: (الاذن، اللسان، الاعضاء التناسلية). نعم في الاعضاء التناسلية لكي "يشفى غليلهم" وكانوا يرددون عبارة "لن ندعك تنجب اطفالا بعد اليوم، لكي لا تربيهم على بغضنا وتحرضهم علينا".

عندما كان المحقق لا يستفيد من احدنا بشيء كان يأمر الشرطة بتولي امرنا في التعذيب. فكانوا يأخذوننا الى عمود الكهرباء ويوصلون قيدنا بقيد موصول بالعمود ويوقفوننا بحيث كانت اصابع اقدامنا فقط هي التي تلامس الارض، ثم يبدأون بسكب الماء علينا بعد تعريتنا من الملابس، تنزل العصي على اجسادنا حتى يأخذوا منا أي اعتراف، وقد وصل الحال ببعضنا الى فقدان الوعي والاغماء اثناء هذه العملية التي كانت تستمر مع البعض من اولى ساعات الليل حتى الفجر. وعندما يفكون قيودنا عن العمود كنا نتساقط على الارض كاوراق الخريف الصفراء ولا نعود نقوى على الوقوف او تحريك ايدينا. كانوا يقدمون على سحبنا بارجلنا على الارض، ويقفون فوق سطح المبنى ونحن تحتهم ويتبولون علينا. وكانوا يدخلون في مؤخرات البعض العصي وافواه البنادق. ولا غلو في ذلك ولا مزايدة او مبالغة، بل هي الحقيقة التي كانت تجري في تلك الفترة من الزمن.

كانوا يمارسون اسلوب التجويع والتعطيش، بقينا ثلاثة ايام دون طعام وشراب، بعدها نقلونا الى غرف افرادية، كل واحد في غرفة تبلغ مساحتها تسعين سنتمترا طولا وعرضا. كان في داخلها دلو لقضاء حاجاتنا. والدلو سعته خمسة ليترات وكنا نفرغه في حمام خارجي كل اربع وعشرين ساعة، وفي بعض الاحيان ثمان واربعين ساعة، وقد بقينا في هذه الغرف ستين يوما لم نر فيها الشمس. كان باب الغرفة مقفلا بقفل من الحديد، باستثناء فتحة صغيرة (خمسة عشر سنتيمترا عرضا وعشرون سنتيمترا طولا) مشبكة بقضبان من الحديد ليتمكنوا من خلالها من رؤيتنا. كان ممنوعا علينا الكلام، ومن ضبط وهو يتكلم كان يلاقي اشد العقوبات.

لم نستحم في تلك الفترة الا مرة كل شهر، وكنا اذا اخرجنا لكي نستحم نستقبل بضرب ونودع بضرب، فيما كانت مدة الاستحمام محددة بدقيقتين ومن يتأخر يلق ما يلقاه، وكان احد افراد الشرطة يقف على رأس الممر ونحن نمر ركضا، ومن تقطر من جسمه نقطة ماء كان عليه ان يمسح القطرات التي تسقط في الممر (بلسانه) وتحت قوة العصا، وكان الشرطي يخرج من يحلو له ضربه في أي وقت ويشبعه ضربا وشتما.

 وكان علينا، اذا دخل الشرطي الى الزنزانة، ان نقف كلنا ووجوهنا الى ناحية الحائط وظهورنا الى ناحية الباب، لا نجلس حتى يخرج "سعادته" منها، ويا ويل من يخالف او ينبس ببنت شفة! كنا في وضع وكأن على رأسنا الطير، وكانت سياسة التجويع ترافقنا في كل تلك الفترة وممنوع علينا ان نقوم بواجباتنا الدينية من صلاة ودعاء وما الى ذلك. كنا نسرقها سرقة واذا ضبط احدنا في "حالة" الصلاة كان يسحب من الغرفة ويشبع ضربا.

كانت وجبتنا في الصباح خمس حبات من الزيتون وقطعة من التوست او بيضة مسلوقة، او معلقة من المربى، وربما تمر ايام دون وجبة فطور، وغداؤنا كان صحنا من "اليخنة" وما ادراك ما "اليخنة" : ماء مصبوغ بلون احمر وخمس حبات من البطاطا او الجزر، وقطعتان من التوست او بضع شعيرات من المعكرونة "المخبوصة".

اما الغرف الجماعية فكانت بطول مترين وعرض متر وربع، وعدد افرادها خمسة واحيانا ستة، وكنا ننام مثل السمك في علبة السردين، وان قام احدنا في الليل لقضاء حاجته واحتل صاحبه مكانه كان عليه ان ينتظر واقفا بقية الليل حتى الصباح فيأخذ قسطه من النوم اثناء النهار ان هو استطاع ذلك. كانت فترة التحقيق تستمر من شهرين الى اربعة اشهر، حسب كل شخص. كنا نرى الموت فيها مئة مرة، وقد قضى البعض، اثناء فترة التحقيق، نحبه من شدة التعذيب، ومن نجا فقد شاهد الموت بأم عينه.

 اما ادوات النوم كالفراش والاغطية والوسادات فكانت كما يلي: الفرشة والغطاء عبارة عن بطانية ننام على نصفها ونتغطى بنصفها الاخر، ومن ابتكر غير ذلك فمن خلال ما وجد معه من اغطية، اما الوسادة فكانت عبارة عن حذاء كل واحد منا، وبيت الخلاء عندنا كان الدلو الذي يتسع لخمسة ليترات من المحتوى، وكان القمل والجرب يرافقنا كل تلك الفترات، ولم نكن نشاهد وجوه بعضنا بوضوح من ضعف الانارة.

كنا نكره يوم السبت لما كنا نلاقي فيه من مصائب، كان يوم السبت يوم المصارعة الحرة على تلفزيون "الشرق الاوسط"، اذ كان اللحديون يشاهدون المصارعة، وعندما تنتهي يخرجون الى الساحة الخارجية وينفذون اللقطات التي حفظوها من المصارعة فينا حتى تسيل دماؤنا من الضرب.

اما "قتلة" الزمور فهي على النحو التالي: كانوا يطلقون العنان لزمور قوي الصوت ويضعوننا في غرفة ويتجمع علينا عدد منهم ويبدأون بضربنا بالعصي و "النباريج" والاقدام المنتعلة الاحذية العسكرية، فيقوى صوت احدنا على صوت الزمور من شدة زعيقه.

وكان احد افراد الشرطة يملك دراجة نارية، وكان اذا ازعجه احدنا يخرجه من غرفته ويضع وجهه وراء "الاشكمان" ويبدأ بتشغيله الى اقصى قوته. وكان الشرطي متسلطا ذا مزاجية خاصة به، فكان اذا دخل السجن ووجد احدا واقفا يخرجه ويضربه، واذا وجده جالسا يقول له الا تحترم الشرطة، عليك ان تقف احتراما، فيخرجه ويضربه، المهم عنده ان يضرب من يحلو له وبأية حجة كانت.

وفي احد الايام دخل احدهم الى السجن يتفقد المعتقلين، فوجد ان احدنا لم يكن واقفا على الباب فسأل عنه فقالوا انه يبول على السطل (الدلو) فاكمل جولته وعاد اليه قائلا له: "هل تغوطت" فاجاب: "كلا بل تبولت"، فاخرجه وبدأ يضربه ويقول له بل تغوطت، وبقي اخونا مصرا على قول الحقيقة فيقول ويحلف له بانه تبول، وبعد ضرب مبرح وعندما اصبح صاحبنا في حال لم يعد يحتمل الضرب فيها قال له: "كما تشاء لقد تغوطت"، وعندما سمع الشرطي هذا الاعتراف بدأ يضرب من جديد ويقول "اذا لماذا كنت تكذب علي"!.

وفي احدى الليالي دخل احدهم وبدأ يتوعد ويهدد بانه اذا رأى احدنا ما زال مستيقظا ورأسه فوق الغطاء فسوف "يورم شعره من الضرب"، فاطفأ الانوار ودخل بطريقة سرية من دون ان يشعر احد منا به، لان رؤوسنا كانت مغطاة بالاغطية فوجد احد الشباب يناول رفيقه حبة دواء لتخفف من المه فاخرجه واشبعه ضربا حتى انه كسر ذراعه، وهذه الحوادث ليست بالقليلة.

وبعض الاخوان قضوا فترة سبعين يوما في الممر الخارجي وهم مكبلو الايدي والارجل ومعصوبو العيون، ومع موعد كل وجبة طعام يأتي احدهم فيكشف على افواههم ويدخل البيضة فيه ويعطيه وراءها مباشرة جرعة صغيرة من الماء ثم يسدل الغطاء على وجهه من جديد، ومع كل دخول وخروج لاخذ احدهم الى التحقيق كانوا يدوسون على اجسادهم ورؤوسهم، حتى ان البعض منهم فقد ذاكرته ومنهم من نسي اسمه.

بعد مرور سنتين على هذا الوضع المرير حيث اصبح واحدنا اصفر اللون شاحب الوجه مجور العينين، عيناه غارقتان في وجه، وعظامه بارزة من جسده، قررنا ان نموت ميتة عز لا ميتة ذل، فقررنا ان نضرب عن الطعام الى ان يتحسن وضعنا ولو قليلا، فقمنا باضراب جماعي عن الطعام. جاؤوا بوعود للتحسين، ومر علينا عامان من المد والجزر واضرابات عديدة، منها ما نجح ومنها ما فشل، الى ان وصلنا الى العام (1989) حيث طفح الكيل، اذ كان كل اضراب يجابه بتنكيل وقهر وتعد علينا وعلى واجباتنا الدينية، فانفجرنا من خلال الانتفاضة الكبيرة التي قضى فيها شهيدان منا.

بدأت الانتفاضة عندما رأى العملاء شبابا يصلون فارادوا ان يقطعوا صلاتهم بالقوة، الا ان الاخوة رفضوا قطع صلاتهم واكملوها حتى النهاية، فبدأ افراد الشرطة بفتح الابواب وسحب الاخوة، الذين كانوا ما زالوا في وضع الصلاة، بالعنف والضرب واخرجوهم الى الباحة وبدأوا يمارسون بحقهم اشد اساليب التعذيب والقهر، فثرنا داخل السجن وبدأنا بالضرب على الابواب والتنديد بهم ورميناهم بشعارات قاسية فاطلقوا النار لكي يسكتونا، وانى لهم هذا. بقي الوضع على ما هو عليه والنار تستعر، وامتدت لتنقل الى السجون الاخرى فرموا علينا قنابل دخانية ومن ثم غازية وبقينا على ما نحن عليه حتى لم يعد بامكاننا التنفس وسقطنا ارضا، فدخلوا واخذوا يخرجوننا الى الباحة الخارجية حتى يخرج الغاز من السجون وبدأوا يضربوننا ونحن في هذه الحالة، ونقلوا منا الى المستشفى حالات يرثى لها، وبعدها بدأ الوضع يتحسن رويدا رويدا حتى انهم اصبحوا لا يجرؤون على التعرض لنا اثناء فترة الصلاة. واصبحنا نمارس واجباتنا الدينية بحرية حيث انهم علموا بان هذا الامر لا مساومة عليه ولو كلفنا هذا بذل نفوسنا من اجله.

كانت نتيجة الانتفاضة تحسين اوضاعنا داخل المعتقل، فتوقف الضرب والتعذيب (من غير سبب)، وتحسن وضع الطعام والشرب واصبح عندنا غرف اكبر حجما، واصبح في كل غرفة خمسة اشخاص واصبحت الغرفة ثلاثة امتار بثلاثة طولا وعرضا.

واصبح همنا تحسين وضع الخروج الى الشمس ووضع التمريض لانه قلما كنا نخرج الى الشمس، وان خرجنا فكان وقت التشميس عشر دقائق، وكان وضع التمريض سيئا للغاية ويقتصر على الحبوب المهدئة التي كان لها الدور الاكبر في التقرحات التي حصلت لاغلبية المعتقلين بسبب كثرتها وحاجة المعتقلين اليها لتخفيف الالم.

 نفذنا عدة اضرابات ادت الى تحسين اوضاعنا نوعا ما، وكنا نتلقى زيارات من الاهل واغراضا تحتوي على ملابس داخلية ومحارم وصابون وبيجامات للنوم، وكان العملاء يفتشونها قبل ادخالها الينا فيسرقون منها ما يحلو لهم ن دون حسيب او رقيب.

 اما عن امر التفتيش للغرف فحدث ولا حرج، كانوا يداهمون الغرف اثناء وجودنا في الشمس ويفتشون ثيابنا المصرورة في اكياس مرتبة، وعندما نعود نجدها قد اصبحت تلة عالية بعضها فوق بعض، ممزوجة ببعضها، حتى حبال الغسيل المصنوعة بايدينا لنشر ملابسنا التي كنا نغسلها كنا نجدها مقطعة ومرمية على الارض وعليها ثيابنا التي ما تزال مبللة بالماء ومنداسة بارجلهم المتسخة فتصبح بحاجة الى غسيل مرة اخرى.  

اما المرحلة الاخيرة من المعتقل فهي مرحلة ما قبل دخول اللجنة الدولية للصليب الاحمر، التي اتت اثر استشهاد الاخ المجاهد هيثم دباجة متأثرا بمرضه بعد تلقيه خبر وفاة والدته متأثرة باعتقال ابنها الذي دام عشر سنوات. اما سبب وفاته فيعود الى الاهمال المفرط من قبل الشرطة وجهاز التمريض الذي كان آنذاك على علم بمرضه، فاخذه الى المستشفى اكثر من مرة بعدما ظهرت عندها عوارض اورام في جسمه واجريت له الفحوص اللازمة، لكن النتيجة عندهم تكون جيدة دائما، ليس معه فقط بل مع الجميع.

وفي احدى الليالي تعب المرحوم هيثم كثيرا فنادى الشرطة الا انهم لم يهتموا للامر، وبعد منتصف الليل تفاقمت حالته ولم يعد يحتمل المه، فنادى الاخوان الشرطة فلم يهتموا للامر، فقام بنفسه ونادى ثلاثة اصوات وسقط ارضا، عندها قام عدد من الشباب بمناداة رجال الشرطة بصوت عال فادخلوا الممرض الذي اخذ نبض هيثم وامر باحضار حمالة على الفور. نقلوه الى المستشفى ولكنه كان "منتهيا" ولو انهم استجابوا عند ساعات الليل الاولى لما حصل ما حصل، ولكن كانت مشيئة الله ان يستشهد الاخ بعد عشر سنوات من الاعتقال.

على اثر هذه الحادثة دار في اوساط السجن ان الصليب الاحمر سوف يدخل الى المعتقل، وعند ذلك اصبحنا نشاهد التحسينات داخل المعتقل. جلبوا لنا فرشا بسماكة خمسة سنتيمترات بدلا من اثنين، واكياس نوم عسكرية بدلا من الحرامات الخفيفة، واصبح حجم الغرف اكبر بكثير، عشرة امتار، ومنها تسعة، ووضعوا اسرة في الغرف، كل سرير من طبقتين وفي كل غرفة ستة اسرة، وفي كل غرفة حمام داخلي ومجلى لغسل الاواني وسخان كهربائي لتسخين الماء واوان لوضع الطعام وملاعق لكل فرد وكوب وصحنين وملعقة، بعد ان كنا نأكل في صحون نايلون تجلى خارج الغرف، وقلما نأكل بسبب التقنين الذي كان يفرضه علينا عملاء الزنزانات.

 وهؤلاء الاشخاص هم معتقلون مثلنا ولكنهم سقطوا تحت وطأة العمالة والذل، مروا بنفس المراحل التي مررنا بها ولاقوا ما لاقينا من قهر وتعذيب واساءة.كانوا عندما يدخل احدنا الى المعتقل يحضرون اخته، خاصة اذا كانت محجبة، كانوا يختارونها وينزعون حجابها عن رأسها امام عينيه لكي يدلي بكل ما لديه من معلومات امنية. هؤلاء باعوا اخرتهم بدنياهم وغرتهم الحياة الدنيا فسقطوا رهائن غرائزهم واهوائهم. يتحسسون الاخبار الامنية من الاشخاص الجدد الذين كانوا يضعونهم معهم ويوصلونها الى المحققين لكي يدينوا صاحبها ويورطوه في المعتقل، وكم لبث في المعتقل شباب وفتيات بسبب هؤلاء الحثالة من البشر الذين لا يشرفون احدا. كان هؤلاء الاشخاص يكنون لنا عداء لا مثيل له من جراء تحريض مسؤول جهاز الامن المخصص للمعتقل الذي كان بدوره يبث الشائعات في السجون لكي يفرق بين الاخوة، وكان يحاول دائما ان يضع في كل غرفة معتقلين من كل الانتماءات السياسية محاولا بذلك اشعال نار الفتنة بين السجناء، لكن هذا العمل كان يواجه بوعي كامل من الجميع، فكانت الكلمة موحدة والرأي واحدا والايدي متشابكة لمواجهة الظروف الصعبة التي نمر كلنا بها.


 


المعتقل والصمت والكلام

نوال قاسم بيضون

 

 

بعد دخول اللجنة الدولية للصليب الاحمر سمحوا بزيارات الاهل الى داخل المعتقل كل ثلاثة اشهر لمدة نصف ساعة وكنا نراهم من خلال قضبان الحديد المشبكة في غرف خاصة. كما سمحوا بادخال بعض الاطعمة والحلويات والمكسرات في زيارات كل شهر عبر الصليب الاحمر ولم تتوقف سرقتهم لها، هم وعملاء الزنزانات. ادخلوا لنا المصاحف، ففي كل غرفة قرآن كريم وبعض كتب تعليم اللغة وكتب ثقافية ودينية والقليل القليل سياسية وذلك ضمن اشراف العملاء. اصبحنا نخرج الى الشمس كل يومين او ثلاثة لمدة نصف ساعة، وتحسن نوعا ما وضع التمريض.

قبل خروجنا من المعتقل بتسعة اشهر سمعنا بعملية انصارية المشرفة فصار عندنا امل كبير بالحرية القريبة وسمعنا بالمفاوضات الجارية وكنا نتتبع، مما نحصل عليه من تسريب اخبار، كل خطوات هذه المفاوضات. وقبل خروجنا بحوالي عشرين يوما علمنا بان التبادل اصبح اكيدا الى ان جاء اليوم المنشود: وضعونا في سيارات الصليب الاحمر واخرجونا من المعتقل، وعندما تجاوزنا بوابة المعتقل وجدنا الاهالي بانتظارنا. استقبلونا بالزغاريد ورش الرز والشوكولا والدموع، دموع الفرحة بالنصر الذي نلناه برغم انف هذا العدو الغاشم، وبقيت قلوبنا تخفق الى ان وصلنا الى معبر كفرفالوس حيث انتظرتنا حشود غفيرة من اهلنا واقاربنا واحبائنا.

 اخيرا رأينا شمس الحرية بعد انقطاع طويل عنها قهرا وظلما. وكان لقاؤنا بالاحبة مؤثرا للغاية في النفوس، اناس عرفناهم واناس لم نعرفهم، فالذي كان عمره خمس سنوات اصبح عمره ثمانية عشر عاما والذي كان عمره ثماني عشرة سنة اصبح احدى وثلاثين سنة، بعد ان استقبلنا الزوار والاحبة المهنئين انتقلنا الى المستشفى لاجراء فحوصات، وفوجئنا بانه لم تكن هنالك اية امراض خطيرة او مميتة، والحمد لله على جميع نعمه.

 Khyam Prison - Al-Jazeera

 


 
| شخصيـات |

 
    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Guestbook Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic