شهادتي من الجامعة العبرية تعادل عملية عسكرية للمقاومة

محمد بدير

جريدة المستقبل (لبنان)

الخميس، 19 حزيران «يونيو» 2003
محمد بدير 

     كنت أحب المدرسة كثيراً، وكنت متفوقاً على الرغم من أني لم أكن أدرس لكن "كانت تظبط معي وأنجح".

عندما اعتقلتني قوات الاحتلال الاسرائيلي أثناء قيامي بعملية في منطقة الناقورة في حزيران 1991، كنت في صف الثالث ثانوي، قسم الرياضيات. وكان أفضل ما حصل معي بعد انتهاء فترة التحقيق في معتقل عسقلان اكتشافي لوجود ما سميناه، تسامحاً، مكتبة. وفيها وجدت العديد من الكتب التي كنت أسمع عنها ولم تتوفر لي قراءتها في لبنان مثل "الجريمة والعقاب" لدوستويفسكي، وكتاب جورج جرداق عن الإمام علي بن أبي طالب (ع). ونظراً لاهتماماتي العلمية غرقت في بداية الأمر في قراءة كل ما توفر من كتب عن نظرية النسبية لأينشتاين.

لم يمر كثير من الوقت قبل أن أكتشف أنه علي تركيز قراءاتي بشكل مفيد، وقررت العمل وفق المعادلة التالية "الأسير يخسر حريته لكنه يربح وقته"، فصرت أقرأ كل مرة عن موضوع محدد وفقاً للمراجع المختلفة الموجودة عنه في المعتقل سواء في المكتبة أو لدى الفصائل الفلسطينية التي كان كل منها يملك الكتب المتعلقة بعقيدته وأدبياته.

لم تكن ظروف القراءة والتركيز متوفرة في المعتقل، حيث يقيم الأسير في زنزانة واحدة مع 17 آخرين، أي مع 17 عقلية ومزاج ونظرة مختلفة إلى الأمور. لكن الأمر لم يكن سلبياً إلى هذا الحد مع توفر الرغبة والإرادة الذاتية، إضافة إلى أن تنوع الرؤى الفكرية والعقائدية كان له مردود ايجابي على نظرتي للأمور. فقد كنت موجوداً بين مختلف ألوان الطيف السياسي الفلسطيني من اليسار الاشتراكي والوسط العلماني إلى "اليمين" الإسلامي، والوجود ضمن هذه المعمعة كان يحتم علي البحث عن هويتي.
 

الجامعة المفتوحة

     بقي الوضع على هذه الحال حتى العام 1993، عندما قرر الأسرى تنظيم إضراب مفتوح عن الطعام للمطالبة بتحسين ظروف المعتقل، وقد استمر الإضراب 17 يوماً سقط خلاله شهيد في عسقلان، و16 شهيداً من الحركة الفلسطينية التضامنية التي دعمت مطالبنا، وأبرز ما حصّلناه السماح بمتابعة الدراسة في الجامعة العبرية المفتوحة.

لم أنتسب مباشرة، وإنما سبقني الفلسطينيون من عرب 1948 الذين يتقنون العبرية ويعرفون العالم الأكاديمي الاسرائيلي أكثر مني، وبعد أن خاضوا التجربة مواجهين العديد من الصعوبات بدأت التفكير جدياً في الانتساب إلى الجامعة، خصوصاً أني كنت متمكناً من اللغة العبرية لأني أتقنتها خلال سنتي الأولى في المعتقل.

بدأت الدراسة في العام 1996، "لم يكن ممكناً أن أختار اختصاصا علميا على الرغم من أني كنت أطمح إلى دراسة الهندسة بسبب الظروف الموضوعية إذ لا مختبرات ولا إمكانات للتطبيق. 

فقررت دراسة العلوم السياسية، وتحديداً كل ما له علاقة بالكيان الصهيوني، وكنت أرى في هذا الخيار نوعاً من التكليف الفردي والوجودي لاستمرار الصراع مع هذا الكيان، ولكي أكون مفيداً بعد تحرري في هذا الإطار، لأني كنت أعرف أن المقاومة ستحتاج إلي.
 

الصعوبات

     أبرز الصعوبات كانت إدارية. لأن نظام الدراسة المفتوحة كان يتطلب التواصل مع الأستاذ المشرف على المقرر الذي نختاره ليذلل الصعوبات التي قد نواجهها، وهذا الأمر لم يكن ممكناً. كما لم تكن ممكنة المشاركة في "يوم التداول" الذي يجتمع فيه جميع الطلاب لتلقي محاضرة عامة عن المقرر إضافة إلى الخدمات الإدارية والترفيهية التي حرمنا منها بالطبع.

من جهة ثانية، كانت صعوبة التواصل مع إدارة الجامعة التي كانت إدارة السجن تعرقلها بمختلف الوسائل، سواء عبر تأخير البريد أو تيسير وصول المواد والمقررات الدراسية. وطبعاً هناك مشكلة الجو غير المناسب للدراسة إذ لا يمكن التحكم بحركة الشباب في الزنزانة.
 

الامتحان

     بعد تسلّم المقررات، ودراستها، كنا نعلم بموعد الامتحانات عبر البريد، وغالباً كان الوقت المخصص للدراسة يراوح من عشرة أيام إلى أسبوعين. وكان الحل الأمثل لكي أستطيع اجتياز الامتحانات تحويل الليل إلى نهار والنهار إلى ليل، فأستفيد من فترة نوم الأخوة في الزنزانة للتركيز.

كان عندي لمبة صغيرة فوق سريري مباشرة، كنت أشعلها، وأضع "منشفة" لكي لا أزعج أحداً وأغرق في الدرس. وفي فصل الصيف كان الوضع صعباً جداً حيث يتحول المكان إلى "سونا". 

المرة الأولى التي خضعت فيها للامتحان كنت متوتراً جداً، هو القلق نفسه الذي يرافق أي طالب لكنه كان مضاعفاً بالنسبة لي. كان الامتحان في غرفة الزيارة، يأتي المحاضر ويعطيني أسئلة الامتحانات. وفي معتقل نفحة كنت أجري الامتحان في غرفة الغسيل، بين الغسالات. والنتيجة، شهادة امتياز. 
 

تضارب

     لم يقتصر القلق خلال الامتحانات على أن "أعمل منيح" فحسب، فالمادة التي اخترتها كانت تفرض علي تضارباً في الأفكار. فالدراسة عن هذا الكيان من مصادره تعني أن رؤيته وفكرته العقائدية والتاريخية هي الأساس. وعند الإجابة كانت تواجهني مشكلة أساسية. فالكتب التي كنت أدرس فيها تسمي فلسطين قبل العام 1948 بـ"أرض اسرائيل". ولم يكن ممكناً بالنسبة لي أن أكتب هذه الكلمة، فكنت أحاول قدر الإمكان التهرب من كتابتها. وعندما أضطر كنت أكتبها مختصرة. لم أكتبها يوماً كاملة.

وأحياناً كان يحصل أن أكون مضطراً لكتابة شيء قد لا يرضي المحاضر من الناحية العقائدية، فكنت أكتب ملاحظة في مقدمة الكراس أني سأكتب بناء على قناعاتي الفكرية وأتمنى أن لا يؤثر هذا على المنهج العلمي الذي اعتمدته للإجابة، وبالتالي على علامتي النهائية.
 

النتيجة

     قبل الإفراج عني بعشرة أيام كنت أخضع للامتحان الذي يخولني الحصول على الإجازة. لا أعرف كيف يمكنني تحصيلها الآن، لكني مصر على متابعة دراستي. وأنوي أن أسجل العام المقبل في الجامعة انطلاقاً من الصفر في حال لم أستطع الحصول على شهادتي ومعادلتها في جامعة فلسطينية.

الحصول على شهادة لم يكن بالنسبة لي ترفاً أو محاولة لتمرير الوقت. كان تحدياً لأن الصهيوني كان يهدف من خلال اعتقالنا إلى إفراغنا من مضموننا الجهادي وتحويل اهتماماتنا الحياتية إلى نوع من العبث وقتل الوقت. وأذكر دائماً ما قاله لي الأسير الفلسطيني نمر شعلان الذي كنت أدرس معه "إذا أخذت شهادة من جامعة اسرائيلية كأنك نفذت عملية عسكرية للمقاومة".

أرسل المقال

أرسل المقال إلى صديق: 

§ وصـلات:

Main Page
 
 

    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Opinions Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic