“الحرية .. حتماً”: عملية إطلاق سراح المعتقلين تشارف نهايتها

إبراهيم الأمين

جريدة السفير (لبنان)

الإثنين، 22 أيلول «سبتمبر» 2003

     الثامن والعشرون من شهر آب الفائت، خرجت وسائل الإعلام بكلام لافت قاله الأمين العام ل”حزب الله” السيد حسن نصر الله في الذكرى السنوية الرابعة عشرة لاختطاف الشيخ عبد الكريم عبيد. وقال يومها، إن الحزب سيمنح عملية التفاوض فرصة أخيرة. وحذر من انه إذا انقضت الفرصة من دون نتيجة، فسنعتبر ان المفاوضات انتهت وان عدد الأسرى الموجودين بين أيدينا غير كاف لإنجاز عملية التبادل، وبالتالي سنعمل ليل نهار ليكون في قبضتنا أسرى إسرائيليون جدد”. وأضفى نصر الله يومها مزيدا من الغموض على مصير الأسرى الأربعة الموجودين بحوزة الحزب عندما قال إن مصير العقيد الإسرائيلي ألحنان تننباوم بات مجهولا بعد إصابته بمرض خطير”. 

إثر الاحتفال كان الحزب في معرض تقييم طبيعة رد الفعل الإسرائيلي، وكان الرأي واضحا في أن إسرائيل أمام خيارين: إما القبول وبالتالي التقدم بجدية، وإما إدارة الظهر وبالتالي فإن القرار بأسر المزيد من جنود العدو يصبح موضع التنفيذ. ولم يمض أسبوع واحد، بعد هذا الكلام، حتى وصل الوسيط الألماني إلى بيروت. وفي جلسة رتبت على عجل، كرر السيد نصر الله موقف الحزب الحاسم في هذا المجال. لكن الوسيط قال انه قادم من إسرائيل وأن بحوزته الأخبار الجدية. وسرعان ما كشف ما في جعبته، وفيها ما يشير إلى أن تل أبيب قررت اعتماد الخيار الأول، وهو المضي بالمفاوضات هذه المرة نحو صفقة كاملة. ولأن الأطراف الثلاثة يعرفون ما هي العناصر الجدية، كان الوسيط يحمل بحوزته إقراراً إسرائيلياً ب”المبادئ والإطار العام” الذي وضعه الحزب، أي الموافقة على إطلاق سراح المعتقلين اللبنانيين والتسليم بمطالبه، لا سيما شمول الصفقة كل المعتقلين اللبنانيين إضافة إلى معتقلين فلسطينيين، وأن إسرائيل تريد الأمر أن يتم على شكل رزمة واحدة، وهو ما لا يعارضه “حزب الله”. 

عند هذا الحد، كانت القواعد التقليدية عرضة لبعض التبدل. “حزب الله” رهن أي معلومات عن مصير الأسرى الأربعة بمقابل. لكنه أوضح للوسيط الألماني، أن هذا المبدأ يظل قائما اذا كانت إسرائيل لا تريد المضي بالصفقة الشاملة. أما إذا كان الأمر عكس ذلك، فإن المطلوب تثبيت العناصر الجديدة. 

غادر الوسيط بيروت ليقابل الإسرائيليين وليعود بعد أيام مجدداً، حاملاً التأكيدات التي يريدها الحزب حول الصفقة الشاملة وما يسميه الحزب ب”العناصر الحاسمة نحو تقدم جدي”. ولكنالوسيط طلب عندها ان يمده الحزب بعناصر تعطيه قوة الدفع التي يحتاجها لجعل المفاوضات تسير بأسرع مما هو مقدر لها. وكان طلبه واضحاً: “اريد ان أقابل الحنان تننباوم”. 
 

“الحرية.. حتماً” 

لم يطل الحزب في تقييم الطلب والموقف، وانتهى إلى موقف واضح، موجزه انطلاقة عملية “الحرية..حتماً” والتي ستوفر في أسرع وقت ممكن الحرية لمئات المعتقلين اللبنانيين والفلسطينيين والعرب الآخرين، إضافة إلى أمور كثيرة لا تقل أهمية. 

تننباوم الذي اراد السيد نصر الله تجهيل مصيره لدفع المفاوضات قدماً، لا يزال حياً. وافق الحزب على الطلب، ورتب للوسيط زيارة الى حيث يتم احتجاز الضابط الأسير. وعقد معه اجتماعاً استمر ربع ساعة، وسأله عن أحواله، وعن الظروف الصحية التي يعيشها وهو الذي يعاني من مرض مزمن وصعب، ولكنه لا يهدد حياته متى توفر له العلاج الدائم. علماً أن تننباوم كان ابلغ الحزب اثر أسره، انه يعاني وضعاً صحياً خاصاً، وانه يواظب على تناول أدوية معينة، ومن يومها أجريت له الفحوصات اللازمة وتم إمداده بالأدوية اللازمة، وهو أمر يعرفه الألمان كما الإسرائيليون منذ الأيام الأولى لأسره. وفي نهاية اللقاء، تناول تننباوم ورقة صغيرة، وخط رسالة خاصة إلى أفراد عائلته ابلغهم فيها انه بخير وانه ينتظر لحظة العودة إليهم. 

وعندما تم الاتفاق على هذا الأمر لم يكن هناك بحث مع الحزب في أي مقابل لهذه الخطوة. وعندما تبلغ الوسيط الموافقة على طلب زيارته قال له السيد نصر الله: “أنت ضيفنا، ونحن نكرم ضيوفنا، ونحن نقدر الجهد الكبير الذي تقوم به، وما حملته من عرض إسرائيلي نراه جيدا، وهذه خدمة نقدمها لك. ولا نبحث في مقابل لها”. 

طار الوسيط الى إسرائيل حاملاً الإشارة الأكثر تعبيراً للإسرائيليين عن جدية الحزب ورغبته التوصل إلى حل شامل وسريع. وجرى إيفاد ضابط كبير إلى عائلة تننباوم وتم تسليم الرسالة ونقل أجواء اللقاء مع شرط او تمن بعدم الحديث عن الأمر. وبعدها بأيام قليلة ابلغ الوسيط “حزب الله” انه حصل على مقابل وأن إسرائيل تريد تسليم الحزب جثتين لشهيدين. ومن دون أي نقاش حول هويتهما وخلاف ذلك، جرى ترتيب نقل الجثتين إلى لبنان. فيما كان الوسيط أثناء ذلك، يزور الشيخ عبد الكريم عبيد والحاج مصطفى الديراني، وقال لهما “إن الأمور تسير بطريقة جيدة، وإن مشكلتكما الخاصة يجري تذليلها، وهناك أمل كبير جداً بأن يسقط التحفظ الإسرائيلي على شمولكما بالصفقة”. ثم حمل من كل منهما رسالة إلى عائلته تضمنت السلامات والتحيات والأمل بفرج قريب. 
 

نصر الله: الثوابت والنتائج 

يقول السيد نصر الله في معرض شرحه ل”السفير” حقيقة ما يدور، ان الحزب تلقى باهتمام الإشارة الى جدية هذه الجولة من المفاوضات. ولكنه ابلغ من يعنيه الأمر انه عند ثوابته ومطالبه وهي: 

أولا: إطلاق سراح جميع المعتقلين اللبنانيين في السجون الإسرائيلية. 

ثانيا: إطلاق سراح اكبر عدد من المعتقلين الفلسطينيين من السجون الإسرائيلية، لا سيما ان عددهم ارتفع كثيرا بعد اندلاع الانتفاضة. 

ثالثا: إطلاق سراج المعتقلين العرب والموجودين في السجون الإسرائيلية لأسباب غير جنائية. 

رابعا: تسليم لبنان خرائط الألغام التي زرعت في جنوب لبنان خلال وجود قوات الاحتلال في المناطق التي أخلاها في 25 أيار العام 2000. 

خامسا: تسليم أجساد شهداء المقاومة الذين سقطوا خلال مواجهات جرت بينهم وبين الإسرائيليين، وظلت جثثهم موجودة في مناطق تخضع لسيطرة الاحتلال او نقلت الى داخل الأراضي المحتلة. 

سادسا: كشف مصير المفقودين اللبنانيين والفلسطينيين الذين انقطعت الصلة بهم خلال الغزو الإسرائيلي العام 1982 للبنان. 

سابعا: كشف مصير الدبلوماسيين الإيرانيين الأربعة الذين اختطفتهم ميليشيات لبنانية كانت على علاقة مع إسرائيل خلال غزو ال82، وسلمتهم إلى قوات الاحتلال في تلك الفترة. 

وأوضح السيد نصر الله ان المفاوضات التي كانت قد تعثرت سابقا، شهدت مؤخرا الكثير من عناصر التقدم الجدية، زادت الأمل بالوصول قريباً إلى حل شامل، وأن الحزب الذي وجد في ما حمله الوسيط الألماني اثر مهرجان جبشيت ما يشير الى هذه الجدية، قرر التعامل بقوة واندفاعة، وفي هذا السياق تمت الموافقة على زيارة الوسيط الألماني للأسير تننباوم، وهي بادرة حسن نية تجاه الألمان أنفسهم وليس تجاه إسرائيل. 
 

“نتعهد لألمانيا فقط” 

وأكد السيد نصر الله أن عقدة رون أراد كانت تحول دائما دون تحريك الملف بشموليته، لأن إسرائيل كانت ترفض على الدوام إطلاق المجاهدين الشيخ عبيد والحاج الديراني حتى نقدم لها معلومات تحدد مصير أراد، وهي شعرت مع الوقت انه لا طائل من الاستمرار في هذه السياسة، وإننا لن نقبل تحت أي ظرف إتمام صفقة لا تلبي مطلب إطلاق جميع المعتقلين اللبنانيين إضافة الى المطالب الأخرى. وهو التطور الأخير الذي حصل. 

وأضاف: نحن نهتم فعلا بالوصول إلى كشف مصير أراد، وعندنا الكثير من الحوافز والأسباب التي تدفعنا للاستمرار بالبحث عنه، وكررنا للوسيط الألماني، أننا لا نملك أية معلومات جديدة، وسوف نتعهد لكم، أمامكم الآن وعلنا إذا لزم الأمر، بأن “حزب الله” سوف يبذل قصارى جهده للحصول على ما يدل إلى مصير أراد. ونحن نقوم بذلك لأننا نحرص على إطلاق بقية المعتقلين الفلسطينيين الذين لن تشملهم هذه الصفقة، ولحسم مصير الدبلوماسيين الإيرانيين الذين تصر إسرائيل على عدم وجودهم لديها، بينما نعتقد نحن انهم على قيد الحياة وأنهم بقبضة الإسرائيليين”. 
 

المطالب المحققة 

وأوضح السيد نصر الله ل”السفير” انه “بالإضافة إلى إطلاق سراح المعتقلين اللبنانيين والسوريين والأردنيين والعرب الآخرين فقد تحقق حتى الآن الآتي: 

أولا: إطلاق عدد من المعتلقين الفلسطينيين، الموجودين داخل السجون الآن لأسباب غير جنائية، وهناك جولات قريبة وحساسة من المفاوضات حول العدد النهائي والمعايير التي يتم من خلالها اختيار الأسماء، وهي مرحلة لم تبدأ بعد حتى الآن. 

ثانيا: تسليم جميع أجساد الشهداء الذين سقطوا في مواجهات على الجبهة اللبنانية، سواء كانوا من المقاومة الإسلامية او من فصائل المقاومة اللبنانية الأخرى أوحتى من الفصائل الفلسطينية. 

ثالثا: تسليم إسرائيل للبنان ما بحوزتها من خرائط الألغام التي زرعت في مناطق حدودية، والتي تأخرت عملية إزالتها ما تسبب باستشهاد عدد غير قليل من المواطنين اللبنانيين وإصابة آخرين بإعاقات كبيرة. 

وختم الأمين العام ل”حزب الله” بالقول: إننا أمام المرحلة الحاسمة، وفي الأيام القليلة المقبلة سوف نعقد جولات نعتقد أنها على قدر كبير من الأهمية، وسوف يكون لنتائجها الأثر الحاسم على بقية الملف، ولكنني آمل بقوة أن نصل قريباً إلى يوم الاحتفال الكبير باستعادة حرية الأسرى وأجساد الشهداء في لبنان وفلسطين”.

أرسل المقال

أرسل المقال إلى صديق: 

§ وصـلات:

Main Page
 
 

    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Opinions Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic