لا قنطار، لا صفقة

جوزف سماحة

جريدة السفير (لبنان)

الثلاثاء، 11 تشرين ثاني «نوفمبر» 2003
Joseph Smaha - جوزف سماحة

     صفقة التبادل التي وافقت عليها الحكومة الإسرائيلية قد تكون غير الصفقة التي كان يجري التفاوض بشأنها.

 

لقد كان في الحسبان، في مرحلة مبكرة، ان الأسرى غير الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية قد أطلقوا جميعاً، وان التفاوض محصور، جانبياً، ب”معلومات أو وعود معلومات” عن رون أراد، وأساساً بلائحة أسماء الأسرى الفلسطينيين. 

لذا، جاء إخراج الموافقة الحكومية الإسرائيلية أشبه ما يكون بمناورة، سواء لجهة تأمين “شبكة أمان” من صوت واحد، أو لجهة “التسريب” المتعمد عن استثناء سمير القنطار. فالقصد من ذلك الايحاء، أولاً، ان أرييل شارون محشور، وثانياً، ان حسن نصر الله، بإصراره على القنطار، بات هو المسؤول عن وجود مئات في السجون كان، ولا يزال، في وسعه “الافراج” عنهم. يراد لهذا “اللغم”، ببساطة، السماح لشارون بتحديد الخسائر إذا تمت الصفقة (وهي لن تتم بهذه الشروط)، أو برمي المسؤولية على “حزب الله” جراء وجود فلسطينيين ولبنانيين وعرب من جنسيات مختلفة في المعتقلات. 

وفي انتظار تبيّن الموقف الإسرائيلي الرسمي يجدر القول ان هذه المناورة لا تملك حظاً بالنجاح. إن “لا قنطار، لا صفقة” شعار مفهوم إذا تمسك به الأمين العام لحزب الله. انه مفهوم لبنانياً وعربياً خاصة إذا لعب الجانب الالماني دور الوسيط النزيه الذي يمكن التعويل عليه لتحديد الجهة المتراجعة عن تعهدات سابقة. 

لن تنجح المناورة لأسباب كثيرة. لا مشكلة في لبنان بين آل الديراني وياسين وعبيد من جهة وآل القنطار من جهة ثانية. أي اننا لسنا أمام الحالة الإسرائيلية التي انتظمت في لوبيات متصارعة ينتصر بعضها لرون أراد وبعضها الآخر للحنان تننباوم. وليس هذا هو الوضع بسبب ضعف الحساسية حيال الأسرى والشعور بالواجب حيال استعادتهم. كلا. بل لأن الاختلاف كبير بين جنود أرسلوا إلى القتال وبين متطوعين منتمين إلى مقاومة، وبين دولة مسؤولة عن افراد جيشها وتنظيم (أو تنظيمات) يمارس اقصى ما يستطيع للوفاء بموجبات تعاقد بين مناضليه. 

ولن تنجح المناورة لأنه، منذ بدأت المفاوضات، وشارون هو الذي يتصرف وكأنه خاضع لضغط. ان مبدأ التفاوض مع “حزب الله” مطعون به من بعض الجهات في إسرائيل. وكذلك التوقيت حين الحجر على “الإرهاب” شعار المرحلة. والموافقة على الفصل بين الديراني وأراد مطعون بها. واشتمال الصفقة غير لبنانيين مرفوض من إسرائيليين بحجة انه يوفر للحزب بعداً اقليمياً غير مستحب ولا هو ضروري بعد تجربة الأسرى مع حكومة محمود عباس، وبعد التعالي في التعاطي مع الحكومة الأردنية. وإذا كانت قوى يمينية تشكك في جدوى الأمر لسبب فإن قوى يسارية تشكك لسبب آخر وتستغرب كيف تحصل “المقاومة الإسلامية” على ما لم يحصل عليه... مروان المعشر. 

إن محاولة قلب اتجاه الضغط، منظوار إليها من لبنان، فاشلة. ربما وُجد في إسرائيل من يعتبرها “ضربة معلم” (عثر المعلق في “هآرتس” تسيفي بارئيل على صحافي لبناني يؤكد له ذلك)، غير ان ذلك لن يكون سوى خطأ إضافي يُرتكب عند التعاطي مع لبنان. ان هذه المحاولة مبنية على سوء تقدير فاضح. سمير القنطار أكثر من مجرد سجين أو رقم في هذه الصفقة. انه كذلك بحكم الاقدمية والرمزية وبحكم تعقيدات خاصة بالوضع اللبناني يطول شرحها وتجعل نصر الله أكثر حرصاً على تحريره. ثم ان قائد “حزب الله” لا يمكنه إلا التصرف وكأنه مسؤول عن كل مراحل المقاومة في لبنان بكل تنويعاتها. أي انه، من موقعه الحزبي، مدفوع إلى موقع عام لا يستقيم أمر من دون الدفاع عنه بحكم خصوصية العلاقة بين المقاومة والدولة. ولقد نجح في ذلك سابقاً بحيث بات أي انتقاد للدور الملتبس الذي يلعبه 

موضع تساؤل واستغراب. ويعني ذلك، ببساطة، ان أي انتقاص من هذا الدور العام يفتح باب المساءلة عن “مشروعية” ادعاء الحزب تحرير باقي الأرض الوطنية، ناهيك بطموحاته لما هو أكثر. 

ولعل المفارقة، هنا، ان “الحزبي” نصر الله أرغم رئيس الحكومة الإسرائيلية على الظهور كمن يلهث وراء مصلحة حزبية أو حتى شخصية. وتجسد هذا النجاح في الاشتباكات التي خاضها شارون مع مخابرات، وعائلات، وطيارين، وضباط، وبعض الرأي العام، فهل يمكن لمن انتج هذه المفارقة وهو يدرك كامل معانيها، ان يضع نفسه في حفرة حفرها لخصمه؟ 

ان موافقة الحكومة الإسرائيلية على الإطار العام للصفقة محطة مهمة. ولقد لوحظ ان البيان الرسمي تجنب ذكر سمير القنطار بالاسم. ولذا، فإن المحطة التالية لا يمكنها ان تكون سوى ذكر سمير القنطار بالاسم في قائمة المنوي اطلاق سراحهم. عدا ذلك لا محطة ثانية. 

إذا حصل ذلك وتغلب الاحتمال الثاني فهذا يعني ان إسرائيل تريد تحديد الارباح التي حققها “حزب الله”. وهذه الارباح ليست قليلة وان كانت لا تنتقص من الحسرة على عدم اتمام الانجاز. لقد أدى التفاوض أغراضا كثيرة، منها إحداث تصدعات في إسرائيل، ومنها التأشير على نجاعة اسلوب محدد في التعاطي معها يقوم على الأهمية الحاسمة لامتلاك وسائل ضغط بدل الاكتفاء بإظهار النوايا الطيبة، ومنها الامكانية المتاحة لعزل صفقة عن العلاقة الاجمالية بحيث لا يضيع أبدا ان التفاوض، ولو غير المباشر، مع عدو، هو شكل من اشكال الصراع لا يفترض أي مودة ولا يمنع من إصدار تعهدات بأن المواجهة مستمرة ليس بعد الأسرى فحسب، بل، أيضاً، بعد أي انسحاب محتمل من المزارع. 

وإذا حصل وتغلب الاحتمال الثاني، أي فشل الصفقة، فإن إسرائيل ستجد نفسها مضطرة إلى تحديد خسائرها المتحققة أثناء التفاوض والتي قد تستجد بعد توقفه. 

ولعل وزير الدفاع شاوول موفاز قدم نموذجاً عن “الحشرة” الإسرائيلية. لقد تكلم مثل كثيرين منا. قال كلاماً كبيراً من النوع الذي اعتدنا، بواسطته، التعويض عن عجزنا.

أرسل المقال

أرسل المقال إلى صديق: 

§ وصـلات:

Main Page
 
 

    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Opinions Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic